السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

238

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وأما على ما قدمناه من أن الأصل في مؤاخذتهم الذي يترتب عليه الوعيد الشديد في آخر الآيات هو أنهم سألوا آية حيث لا حاجة إليها واقترحوا بما في معنى العبث بآيات اللّه سبحانه ، ثم تعبيرهم بما يتبادر من ظاهره كونهم كأنهم لم يعقدوا قلوبهم على القدرة الربوبية فوجه توبيخه عليه السّلام لهم بقوله « اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » أظهر . قوله تعالى : قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ السياق ظاهر في أن قولهم هذا عذر اعتذروا به للتخلص من توبيخه عليه السّلام وما ذكروه ظاهر التعلق باقتراحهم الآية بنزول المائدة دون ما يظهر من قولهم : هل يستطيع ربك ان ينزل ، من المعنى الموهم للشك في إطلاق القدرة ، وهذا أيضا أحد الشواهد على أن ملاك المؤاخذة في المقام هو انهم سألوا آية على آية من غير حاجة إليها . وأما قولهم « نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها » الخ ؛ فقد عدوا في بيان غرضهم من اقتراح الآية أمورا أربعة : أحدها : الأكل وكأن مرادهم بذكره أنهم ما أرادوا به اللعب بآيات اللّه بل أرادوا أن يأكلوا منها ، وهو غرض عقلائي ، وقد تقدم أن هذا القول منهم كالتسليم لاستحقاقهم التوبيخ من عيسى عليه السّلام والوعيد الشديد من اللّه لمن يكفر منهم بآية المائدة . وذكر بعضهم : أن المراد بذكر الأكل إبانة أنهم في حاجة شديدة إلى الطعام ولا يجدون ما يسد حاجتهم . وذكر آخرون أن المراد : نريد أن نتبركه بأكله . وأنت تعلم أن المعنى الذي قرر في كل من هذين الوجهين أمر لا يدل عليه مجرد ذكر الأكل ، ولو كان مرادهم ذلك وهو أمر يدفع به التوبيخ لكان مقتضى مقام الاعتذار التصريح بذكره ، وحيث لم يذكر شيء من ذلك مع حاجة المقام إلى ذكره لو كان مرادا فليس المراد بالأكل إلا مطلق معناه من حيث إنه غرض عقلائي هو أحد أجزاء غرضهم في اقتراح نزول المائدة .