السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
193
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وكيف كان فالآية على هذا التقدير تنفي عن المسيح وأمه معا الألوهية بأن المسيح كان رسولا كسائر الرسل ، وأمه كانت صديقة ، وهما معا كانا يأكلان الطعام ، وذلك كله ينافي الألوهية . وفي قوله تعالى : « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ » حيث وصف الرسل بالخلو من قبله ، وهو الموت تأكيد للحجة بكونه بشرا يجوز عليه الموت والحياة كما جاز على الرسل من قبله . قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وهو في مقام التعجيب أي تعجب من كيفية بياننا لهم الآيات ، وهو أوضح بيان لأظهر آية في بطلان دعواهم ألوهية المسيح ، وكيفية صرفهم عن تعقل هذه الآيات ؛ فإلى أي غاية يصرفون عنها ، ولا تلتفت إلى نتيجتها - وهي بطلان دعواهم - عقولهم ؟ قوله تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ كان الخضوع لأمر الربوبية إنما انتشر بين البشر في أقدم عهوده ، وخاصة بين العامة منهم - وعامتهم كانوا يعبدون الأصنام - طمعا في أن يدفع الرب عنهم الشر ويوصل إليهم النفع كما يتحصل من الأبحاث التاريخية ، وأما عبادة اللّه لأنه اللّه عز اسمه فلم يكن يعدو الخواص منهم كالأنبياء والربانيين من أممهم . قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ خطاب آخر للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بأمره أن يدعو أهل الكتاب إلى عدم الغلو في دينهم ، وأهل الكتاب وخاصة النصارى مبتلون بذلك ، و « الغالي » المتجاوز عن الحد بالإفراط ، ويقابله « القالي » في طرف التفريط . قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء القوم الذين نهوا عن اتباع أهوائهم هم المتبوعون المطاعون في آرائهم وأوامرهم فيكون ضلالهم لمكان التزامهم بآرائهم ؛ إضلالهم كثيرا هو اتباع غيرهم لهم ، وضلالهم عن سواء السبيل هو المتحصل لهم من ضلالهم