السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
192
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وهذا وجه لا بأس به لولا أن الآية مصدرة بقوله « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ » ونظيره في البعد قول بعض آخر : إن « من » في قوله : « مِنْهُمْ » بيانية فإنه قول من غير دليل . أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تحضيض على التوبة والاستغفار ، وتذكير بمغفرة اللّه ورحمته ، أو إنكار أو توبيخ . قوله تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ رد لقولهم « إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ » أو لقولهم هذا وقولهم المحكي في الآية السابقة « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » جميعا ، ومحصله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهية ، بأن المسيح لا يفارق سائر رسل اللّه الذين توفاهم اللّه من قبله كانوا بشرا مرسلين من غير أن يكونوا أربابا من دون اللّه سبحانه ، وكذلك أمه مريم كانت صديقة تصدق بآيات اللّه تعالى وهي بشر ، وقد كان هو وأمه جميعا يأكلان الطعام ، وأكل الطعام مع ما يتعقبه مبني على أساس الحاجة التي هو أول إمارة من أمارات الإمكان والمصنوعية فقد كان المسيح عليه السّلام ممكنا متولدا من ممكن ، وعبدا ورسولا مخلوقا من أمه كانا يعبدان اللّه ، ويجريان في سبيل الحاجة والافتقار من دون أن يكون ربا . وما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرح بكون مريم فتاة كانت تؤمن باللّه وتعبده ، وتصرح بأن عيسى تولد منها كالانسان من الإنسان ، وتصرح بأن عيسى كان رسولا من اللّه إلى الناس كسائر الرسل وتصرح بأن عيسى وأمه مريم كانا يأكلان الطعام . فهذه أمور صرحت بها الأناجيل ، وهي حجج على كونه عليه السّلام عبدا رسولا . ويمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي ألوهية المسيح وأمه كليهما على ما يظهر من قوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ( المائدة / 116 ) أنه كان هناك من يقول بألوهيتها كالمسيح أو أن المراد به اتخاذها إلها كما ينسب إلى أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، وذلك بالخضوع لها ولهم بما لا يخضع لبشر بمثله .