السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
191
مختصر الميزان في تفسير القرآن
عامة الناس أن تتعقله فأغلب النصارى يتلقونه قولا مذهبيا مسلما بلفظه من غير أن يعقلوا معناه ، ولا أن يطمعوا في تعقله كما ليس في وسع العقل السليم أن يعقله عقلا صحيحا ، وإنما يتعقل كتعقل الفروض المحالة كالإنسان اللاإنسان ، والعدد الذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد فلذلك تتسلمه العامة تسلما من غير بحث عن معناه ، وإنما يعتقدون في النبوة والأبوة شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث ، وإنما يمضغون الكلمة مضغا ، وينتمون إليها انتماء بخلاف غير العامة منهم وهم الذين ينسب اللّه سبحانه إليهم اختلاف المذاهب ويقرر أن ذلك ببغيهم كما قال تعالى : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ - إلى أن قال - وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ( الشورى / 14 ) . فالكفر الحقيقي الذي لا ينتهي إلى استضعاف - وهو الذي فيه إنكار التوحيد والتكذيب بآيات اللّه - إنما يتم في بعضهم دون كلهم ، وإنما أوعد اللّه بالنار الخالد الذين كفروا وكذبوا بآيات اللّه ، قال وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة / 39 ) إلى غير ذلك من الآيات ، وقد مر الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الآية ( النساء / 98 ) . ولعل هذا هو السر في التبعيض الظاهر في قوله : « لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ » أو أن المراد به الإشارة إلى أن من النصارى من لا يقول بالتثليث ، ولا يعتقد في المسيح إلا أنه عبد اللّه ورسوله ، كما كانت على ذلك مسيحيو الحبشة وغيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى : لئن لم ينته النصارى عما يقولون ( نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم ) ليمسن الذين كفروا منهم - وهم القائلون بالتثليث منهم - عذاب أليم . وربما وجهوا الكلام أعني قوله : « لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ » بأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر ، والأصل : ليمسنهم ( انتهى ) ، وإنما عدل إلى وضع الموصول وصلته مكانه ليدل على أن ذلك القول كفر باللّه ، وأن الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به .