السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

187

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ التوبة من اللّه على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم ، وهذا يدل على أن اللّه سبحانه قد كان بعدهم من رحمته وعنايته ولذلك أخذهم الحسبان المذكور ولزمهم العمى والصمم ، لكن اللّه سبحانه رجع إليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم ، والعمى والصمم عن أبصارهم وآذانهم ، فعرفوا أنفسهم بأنهم عباد لا كرامة لهم على اللّه إلا بالتقوى ، وأبصروا الحق وسمعوا عظة اللّه لهم بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئا . ثم عموا وصموا كثير منهم ، وإسناد العمى والصمم إلى جمعهم أولا ثم إلى كثير منهم - بإتيان كثير منهم بدلا من واو الجمع - أخذ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أن إسناد العمى والصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى الكل ، والواقع أن المتصف بهاتين الصفتين كثير منهم لا كلهم أولا ، وإيماء إلى أن العمى والصمم المذكورين أولا شملا جميعهم على ما يدل عليه المقابلة ثانيا ، وأن التوبة الإلهية لم يبطل أثرها ولم تذهب سدى بالمرة بل نجا بالتوبة بعضهم فلم يأخذهم العمى والصمم اللاحقان أخيرا ثالثا . ثم ختم تعالى الآية بقوله « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » للدلالة على أن اللّه تعالى لا يغفله شيء ، فغيره تعالى إذا أكرم قوما بكرامة ضرب ذلك على بصره بحجاب يمنعه أن يرى منهم السوء والمكروه ، وليس اللّه سبحانه على هذا النعت بل هو البصير لا يحجبه شيء عن شيء . قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا كالبيان لكون النصارى لم تنفعهم النصرانية والانتساب إلى المسيح عليه السّلام عن تعلق الكفر بهم إذا أشركوا باللّه ولم يؤمنوا به حق إيمانه حيث قالوا : إن اللّه هو المسيح بن مريم . والنصارى وإن اختلفوا في كيفية اشتمال المسيح بن مريم على جوهرة الألوهية بين قائل باشتقاق أقنوم المسيح وهو العلم من أقنوم الرب ( تعالى ) وهو الحياة ، وذلك الأبوة والبنوة ،