السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
170
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والمراد بعدم هدايته تعالى هؤلاء القوم الكافرين عدم هدايته إياهم في كيدهم ومكرهم ، ومنعه الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم إلى ما يرومونه من الشر والفساد نظير قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( المنافقون / 6 ) ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( البقرة / 258 ) ، وقد تقدم البحث عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب . وأما كون المراد بعدم الهداية هو عدم الهداية إلى الإيمان فغير صحيح البتة لمنافاته أصل التبليغ والدعوة فلا يستقيم أن يقال : ادعهم إلى اللّه أو إلى حكم اللّه وأنا لا أهديهم اليه إلا في مورد إتمام الحجة محضا . على أن اللّه سبحانه قد هدى ولا يزال يهدي كثيرين من الكفار بدليل العيان ، وقد قال أيضا وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( البقرة / 213 ) . فتبين أن المراد بعدم هداية الكافرين عدم تخليتهم لينالوا ما يهمون به من إبطال كلمة الحق وإطفاء نور الحكم المنزل فإن الكافرين وكذا الظالمين والفاسقين يريدون بشآمة أنفسهم وضلال رأيهم أن يبدلوا سنة اللّه الجارية في الخلقة وسياقة الأسباب السالكة إلى مسبباتها ويغيروا مجاري الأسباب الحقة الظاهرة عن سمة عصيان رب العالمين إلى غايتهم الفاسدة مقاصدهم الباطلة اللّه رب العالمين لن يعجزه قواهم الصورية التي لم يودعها فيهم ولم يقدرها في بناهم إلا هو . فهم ربما تقدموا في مساعيهم أحيانا ، ونالوا ما راموه أوينات واستعلوا واستقام أمرهم برهة لكنه لا يلبث دون أن يبطل أخيرا وينقلب عليهم مكرهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ، وكذلك يضرب اللّه الحق والباطل فأما الباطل فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . وعلى هذا فقوله « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » تفسير قوله : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » بالتصرف في سعة إطلاقه ، ويكون المراد بالعصمة عصمته صلّى اللّه عليه وآله وسلم من أن يناله الناس