السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

16

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ثم إن هاتين الجملتين أعني قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » وقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » متقاربتان مضمونا ، مرتبطتان مفهوما بلا ريب ، لظهور ما بين ياس الكفار من دين المسلمين وبين إكمال دين المسلمين من الارتباط القريب ، وقبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركّبا مضمونا واحدا مرتبط الأجزاء ، متصل الأطراف بعضها ببعض ، مضافا إلى ما بين الجملتين من الاتحاد في السياق . ويؤيد ذلك ما نرى أن السلف والخلف من مفسري الصحابة والتابعين والمتأخرين إلى يومنا هذا أخذوا الجملتين متصلتين يتم بعضهما بعضا ، وليس ذلك إلا لأنهم فهموا من هاتين الجملتين ذلك ، وبنوا على نزولهما معا ، واجتماعهما من حيث الدلالة على مدلول واحد . وينتج ذلك أن هذه الآية المعترضة أعني قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ - إلى قوله - : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » كلام واحد متصل بعض أجزائه ببعض مسوق لغرض واحد قائم بمجموع الجملتين من غير تشتت سواء قلنا بارتباطه بالآية المحيطة بها أو لم نقل ، فإن ذلك لا يؤثر البتّة في كون هذا المجموع كلاما واحدا معترضا لا كلامين ذوي غرضين ، وأن اليوم المتكرر في قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا » ، وفي قوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » ، أريد به يوم واحد يئس فيه الكفار وأكمل فيه الدين . ثم ما المراد بهذا اليوم الواقع في قوله تعالى : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ » ؟ فهل المراد به زمان ظهور الاسلام ببعثة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ودعوته فيكون المراد أن اللّه أنزل إليكم الإسلام ، وأكمل لكم الدين وأتم عليكم النعمة وأيأس منكم الكفار ؟ لا سبيل إلى ذلك لأن ظاهر السياق أنه كان لهم دين كان الكفار يطمعون في إبطاله أو تغييره ، وكان المسلمون يخشونهم على دينهم فأيأس اللّه الكافرين مما طمعوا فيه وآمن المسلمين وأنه كان ناقصا فأكمله اللّه وأتم نعمته عليهم ، ولم يكن لهم قبل الاسلام دين حتى يطمع فيه الكفار أو يكمله اللّه ويتم نعمته عليهم .