السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

17

مختصر الميزان في تفسير القرآن

على أن لازم ما ذكر من المعنى أن يتقدم قوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ » ، على قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا » ، حتى يستقيم الكلام في نظمه . أو أن المراد باليوم هو ما بعد فتح مكة حيث أبطل اللّه فيه كيد مشركي قريش وأذهب شوكتهم ، وهدم فيه بنيان دينهم ، وكسر أصنامهم ، فانقطع رجاؤهم أن يقوموا على ساق ، ويضادوا الاسلام ويمانعوا نفوذ أمره وانتشار صيته ؟ لا سبيل إلى ذلك أيضا فإن الآية تدل على إكمال الدين وإتمام النعمة ولما يكمل الدين بفتح مكة - وكان في السنة الثامنة من الهجرة - فكم من فريضة نزلت بعد ذلك ، وكم من حلال أو حرام شرّع فيما بينه وبين رحلة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . على أن قوله : « الَّذِينَ كَفَرُوا » يعم جميع مشركي العرب ولم يكونوا جميعا آيسين من دين المسلمين ، ومن الدليل عليه أن كثيرا من المعارضات والمواثيق على عدم التعرض كانت باقية بعد على اعتبارها واحترامها ، وكانوا يحجون حجة الجاهلية على سنن المشركين ، وكانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة حتى بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم عليا عليه السّلام بآيات البراءة فأبطل بقايا رسوم الجاهلية . أو أن المراد باليوم ما بعد نزول البراءة من الزمان حيث انبسط الاسلام على جزيرة العرب تقريبا ، وعفت آثار الشرك ، وماتت سنن الجاهلية فما كان المسلمون يرون في معاهد الدين ومناسك الحج أحدا من المشركين ، وصفا لهم الأمر ، وأبدلهم اللّه بعد خوفهم أمنا يعبدونه ولا يشركون به شيئا ؟ لا سبيل إلى ذلك فإن مشركي العرب وإن أيسوا من دين المسلمين بعد نزول آيات البراءة وطي بساط الشرك من الجزيرة وإعفاء رسوم الجاهلية إلا أن الدين لم يكمل بعد ، وقد نزلت فرائض وأحكام بعد ذلك ، ومنها ما في هذه السورة : ( سورة المائدة ) ، وقد اتفقوا على نزولها في آخر عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وفيها شيء كثير من أحكام الحلال والحرام والحدود