السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
15
مختصر الميزان في تفسير القرآن
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ - إلى قوله - : ذلِكُمْ فِسْقٌ » وأضفت إليه ذيلها أعني قوله : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » وجدته كلاما تاما غير متوقف في تمام معناه وإفادته المراد منه إلى شيء من قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » الخ ؛ أصلا ، وألفيته آية كاملة مماثلة لما تقدم عليها في النزول من الآيات الواقعة في سور الأنعام والنحل والبقرة المبيّنة لمحرمات الطعام ، ففي سورة البقرة : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ويماثله ما في سورتي الأنعام والنحل . وينتج ذلك أن قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا » الخ ؛ كلام معترض موضوع في وسط هذه الآية غير متوقف عليه لفظ الآية في دلالتها وبيانها ، سواء قلنا : إن الآية نازلة في وسط الآية فتخللت بينها من أول ما نزلت ، أو قلنا : إن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم هو الذي أمر كتّاب الوحي بوضع الآية في هذا الموضع مع انفصال الآيتين واختلافهما نزولا . أو قلنا : إنها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند التأليف من غير أن تصاحبها نزولا ، فإن شيئا من هذه الاحتمالات لا يؤثر أثرا فيما ذكرناه من كون هذا الكلام المتخلل متعرضا إذا قيس إلى صدر الآية وذيلها . ويؤيد ذلك أن جل الروايات الواردة في سبب النزول - لو لم يكن كلها ، وهي أخبار جمّة - يخص قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا » الخ ؛ بالذكر من غير أن يتعرض لأصل الآية أعني قوله : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ » ، أصلا ، وهذا يؤيد أيضا نزول قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ » الخ ؛ نزولا مستقلا منفصلا عن الصدر والذيل ، وأن وقوع الآية في وسط الآية مستند إلى تأليف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أو إلى تأليف المؤلفين بعده . ويؤيده ما رواه في الدر المنثور عن عبد بن حميد عن الشعبي قال : نزل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم هذه الآية - وهو بعرفة - « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة ، قال : وكان جبرئيل يعلمه كيف ينسك .