السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
121
مختصر الميزان في تفسير القرآن
لكن التدبر في الآية وما تقدم عليها من الآيات يدفع هذا الاحتمال فإن الآية على هذا تذكّر المؤمنين بقدرة اللّه سبحانه على أن يعبد في أرضه ، وأنه سوف يأتي بأقوام لا يرتدون عن دينه بل يلازمونه كقوله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( الأنعام / 89 ) أو كقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( آل عمران / 97 ) وقوله تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( إبراهيم / 8 ) « 1 » . قوله تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ الأذلة والأعزة جمعا الذليل والعزيز ، وهما كنايتان عن خفضهم الجناح للمؤمنين تعظيما للّه الذي هو وليهم وهم أولياؤه ، وعن ترفّعهم من الاعتناء بما عند الكافرين من العزة الكاذبة التي لا يعبأ بأمرها الدين كما أدّب بذلك نبيه في قوله : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( الحجر / 88 ) . ولعل تعدية « أذلّة » بعلى لتضمينه معنى الحنان أو الحنو كما قيل . قوله تعالى : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ أما قوله : « يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » فقد اختص بالذكر من بين مناقبهم الجمة لكون الحاجة تمس إليه في المقام لبيان أن اللّه ينتصر لدينه بهم ، وأما قوله : « وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ » فالظاهر أنه حال متعلق بالجمل المتقدمة لا بالجملة الأخيرة فقط - وإن كانت هي المتيقنة في أمثال هذه التركيبات - وذلك لان نصرة الدين بالجهاد في سبيل اللّه كما يزاحمها لومة اللائمين الذين يحذرونهم تضييع الأموال وإتلاف النفوس وتحمل الشدائد والمكاره كذلك التذلل للمؤمنين والتعزز على الكافرين وعندهم من زخارف الدنيا ومبتغيات الشهوة ، وأمتعة الحياة ما ليس
--> ( 1 ) . المائدة 51 - 54 : بحث في الارتداد ؛ أوصاف المؤمنين الحقيقين الذين ينصر اللّه دينه بهم .