السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
105
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تخيير للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بين أن يحكم بينهم إذا حكّموه أو يعرض عنهم ، ومن المعلوم أن اختيار أحد الأمرين لم يكن يصدر منه صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلا لمصلحة داعية فيؤول إلى إرجاع الأمر إلى نظر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ورأيه . ثم قرر تعالى هذا التخيير بأنه ليس عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ضرر لو ترك الحكم فيهم وأعرض عنهم ، وبين له أنه لو حكم بينهم فليس له أن يحكم إلا بالقسط والعدل . فيعود المضمون بالأخرة إلى أن اللّه سبحانه لا يرضى أن يجري بينهم إلا حكمه فإما أن يجري فيهم ذلك أو يهمل أمرهم فلا يجري من قبله صلّى اللّه عليه وآله وسلم حكم آخر . قوله تعالى : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ تعجيب من فعالهم أنهم أمة ذات كتاب وشريعة وهم منكرون لنبوتك وكتابك وشريعتك ثم يبتلون بواقعة في كتابهم حكم اللّه فيها ، ثم يتولون بعد ما عندهم التوراة فيها حكم اللّه والحال أن أولئك المبتعدين من الكتاب وحكمه ليسوا بالذين يؤمنون بذلك . وعلى هذا المعنى فقوله « ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » أي عن حكم الواقعة مع كون التوراة عندهم وفيها حكم اللّه ، وقوله : « وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ » أي بالذين يؤمنون بالتوراة وحكمها ، فهم تحولوا من الإيمان بها وبحكمها إلى الكفر . ويمكن أن يفهم من قوله : « ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ » ، التولي عما حكم به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ومن قوله : « وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ » نفي الإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم على ما كان يظهر من رجوعهم اليه وتحكيمهم إياه ، أو نفي الإيمان بالتوراة وبالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم جميعا ، لكن ما تقدم من المعنى أنسب السياق الآيات . وفي الآية تصديق ما للتوراة التي عند اليهود اليوم ، وهي التي جمعها لهم عزراء بإذن « كورش » ملك إيران بعد ما فتح بابل ، وأطلق بني إسرائيل من أسر البابليين وأذن لهم في