السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
785
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الرسول وظهور الآيات البينات ، فهو ردة عنادا ولجاجا ، والازدياد فيه لا يكون إلا مع استقرار العناد والعتوّ في قلوبهم ، وتمكن الطغيان والاستكبار في نفوسهم ، ولا يتحقق الرجوع والتوبة ممن هذا حاله عادة . هذا ما يقتضيه سياق الآية لو أخذت وحدها كما تقدم ، لكن الآيات جميعا لا تخلو عن ظهور ما أو دلالة على كونها ذات سياق واحد متصلا بعضها ببعض ، وعلى هذا التقدير يكون قوله « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا » ، في مقام التعليل لقوله « وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ - إلى قوله - فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً » ويكون الآيتان ذواتي مصداق واحد أي إن من يكفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هو الذي آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرا ، ويكون أيضا هو من المنافقين الذين تعرّض تعالى لهم في قوله بعد « بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » إلى آخر الآيات . قوله تعالى : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الخ ؛ تهديد للمنافقين ، وقد وصفهم بموالاة الكافرين دون المؤمنين ، وهذا وصف اعمّ مصداقا من المنافقين الذين لم يؤمن قلوبهم ، وانما يتظاهرون بالايمان فإن طائفة من المؤمنين لا يزالون مبتلين بموالاة الكفار ، والانقطاع عن جماعة المؤمنين ، والاتصال بهم باطنا واتخاذ الوليجة منهم حتى في زمن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وهذا يؤيد بعض التأييد أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين طائفة من المؤمنين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ويؤيده ظاهر قوله في الآية اللاحقة « وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ - إلى قوله - إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ » فإن ذلك تقرير لتهديد المنافقين ، والخطاب فيه للمؤمنين ، ويؤيده أيضا ما سيصف تعالى حالهم في نفاقهم بقوله « وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا » فأثبت لهم شيئا من ذكر اللّه تعالى ، وهو بعيد الانطباق على المنافقين الذين لم يؤمنوا بقلوبهم قط .