السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

52

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أول هو الموجب لأوصافهم الخبيثة من الكفر والنفاق ، وضلال ثان يتأكد به ضلالهم الأول ، ويتصفون به بعد تحقق الكفر والنفاق كما بقوله تعالى في حق الكفار : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ( البقرة / 7 ) ، فنسب الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إلى أنفسهم ، وكما يقوله في حق المنافقين : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ( البقرة / 10 ) فنسب المرض الأول إليهم والمرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة / 26 ) ، وقوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( الصف / 5 ) . وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين ، كما أن الكفار والمنافقين واقعون بين ضلالين . ثم إن الهداية الثانية لما كان بالقرآن فالهداية الأولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة ، فان الفطرة إذا سلمت لم تنفك من أن تتنبه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى امر خارج عنها ، وكذا احتياج كل ما سواها مما يقع عليه حس أو وهم أو عقل إلى امر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج ، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحس منه يبدأ الجميع واليه ينتهي ويعود ، وانه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج اليه الخلقة كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجيهم من مهلكات الاعمال والاخلاق ، وهذا هو الاذعان بالتوحيد والنبوة والمعاد وهي أصول الدين ، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيته ، واستعمال ما في وسع الانسان من مال وجاه وعلم وفضيلة لإحياء هذا الامر ونشره ، وهذان هما الصلاة والانفاق . ومن هنا يعلم : ان الذي اخذه سبحانه من أوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة إذا سلمت وانه سبحانه وعدهم انه سيفيض عليهم امرا سماه هداية ، فهذه الاعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت ، هداية سابقة وهداية لاحقة ، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل ، ومن الدليل على أن هذه الهداية الثانية من اللّه سبحانه فرع الأولى ، آيات