السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

631

مختصر الميزان في تفسير القرآن

البعد والرجوع إلى ربه إذا وفق للتوبة والرجوع احتاج في التطهر من هذه الألواث ، وزوال هذه القذارات ، والورود والاستقرار في ساحة القرب إلى رجوع آخر من ربه اليه بالرحمة والحنان والعفو والمغفرة . وهذان الرجوعان من اللّه سبحانه هما التوبتان الحافتان لتوبة العبد ورجوعه قال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ( التوبة / 118 ) وهذه هي التوبة الأولى ، وقال تعالى : فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ( البقرة / 160 ) وهذه هي التوبة الثانية ، وبين التوبتين منه تعالى توبة العبد كما سمعت . وأما قوله : عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ ، لفظة على واللام تفيدان معنى النفع والضرر كما في قولنا : دارت الدائرة لزيد على عمرو ، وكان السباق لفلان على فلان ، ووجه إفادة على واللام معنى الضرر والنفع أن على تفيد معنى الاستعلاء ، واللام معنى الملك والاستحقاق ، ولازم ذلك أن المعاني المتعلقة بطرفين ينتفع بها أحدهما ويتضرر بها الآخر كالحرب والقتال والنزاع ونحوها فيكون أحدهما الغالب والآخر المغلوب ينطبق على الغالب منهما معنى الملك وعلى المغلوب معنى الاستعلاء ، وكذا ما أشبه ذلك كمعنى التأثير بين المتأثر والمؤثر ، ومعنى العهد والوعد بين المتعهد والمتعهد له ، والواعد والموعود له وهكذا ، فظهر أن كون على واللام لمعنى الضرر والنفع إنما هو أمر طار من ناحية مورد الاستعمال لا من ناحية معنى اللفظ . ولما كان نجاح التوبة إنما هو لوعد وعده اللّه عباده فأوجبها بحبسة على نفسه لهم قال هاهنا : إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة فيجب عليه تعالى قبول التوبة لعباده لكن لا على أن لغيره أن يوجب عليه شيئا أو يكلفه سواء سمي ذلك الغير بالعقل أو نفس الأمر أو الواقع أو الحق أو شيئا آخر ، تعالى عن ذلك وتقدس بل على أنه تعالى وعد عباده أن يقبل توبة التائب منهم وهو لا يخلف الميعاد ، فهذا معنى وجوب قبول التوبة على اللّه فيما يجب ، وهو أيضا معنى كل ما يجب على اللّه من الفعل .