السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
632
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وظاهر الآية أولا أنها لبيان أمر التوبة التي للّه أعني رجوعه تعالى بالرحمة إلى عبده دون توبة العبد وإن تبين بذلك أمر توبة العبد بطريق اللزوم فإن توبة اللّه سبحانه إذا تمت شرائطها لم ينفك ذلك من تمام شرائط توبة العبد ، وهذا أعني كون الآية في مقام بيان توبة اللّه سبحانه لا يحتاج إلى مزيد توضيح . وثانيا : أنها تبين أمر التوبة أعم مما إذا تاب العبد من الشرك والكفر بالإيمان أو تاب من المعصية إلى الطاعة بعد الإيمان فإن القرآن يسمي الأمرين جميعا بالتوبة قال تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ( المؤمن / 7 ) يريد : للذين آمنوا بقرينة أول الكلام فسمى الإيمان توبة ، وقال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ( التوبة / 118 ) . والدليل على أن المراد هي التوبة أعم من أن تكون من الشرك أو المعصية التعميم الموجود في الآية التالية : وليست التوبة ، الخ ؛ فإنها تتعرض لحال الكافر والمؤمن معا ، وعلى هذا فالمراد بقوله : يَعْمَلُونَ السُّوءَ ما يعم حال المؤمن والكافر معا فالكافر كالمؤمن الفاسق ممن يعمل السوء بجهالة إما لأن الكفر من عمل القلب ، والعمل أعم من عمل القلب والجوارح ، أو لأن الكفر لا يخلو من أعمال سيئة من الجوارح فالمراد من الذين يعملون السوء بجهالة الكافر والفاسق إذا لم يكونا معاندين في الكفر والمعصية . وأما قوله تعالى : بِجَهالَةٍ فالجهل يقابل العلم بحسب الذات غير أن الناس لما شاهدوا من أنفسهم أنهم يعملون كلا من أعمالهم الجارية عن علم وإرادة ، وأن الإرادة إنما تكون عن حب ما وشوق ما سواء كان الفعل مما ينبغي أن يفعل بحسب نظر العقلاء في المجتمع أو مما لا ينبغي أن يفعل لكن من له عقل مميز في المجتمع عندهم لا يقدم على السيئة المذمومة عند العقلاء فأذعنوا بأن من اقترف هذه السيئات المذمومة لهوى نفساني وداعية شهوية أو غضبية خفي