السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
574
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وهذا هو الظن بغير الحق ، الذي هو ظن الجاهلية فإن وثنية الجاهلية كانت تعتقد أن اللّه تعالى خالق كل شيء وأن لكل صنف من أصناف الحوادث كالرزق والحياة والموت والعشق والحرب وغيرها ، وكذا لكل نوع من الأنواع الكونية كالإنسان والأرض والبحار وغيرها ربا يدبر أمرها لا يغلب على إرادته ، وكانوا يعبدون هؤلاء الأرباب ليدروا لهم الرزق ، ويجلبوا لهم السعادة ، ويقوهم من الشرور والبلايا ، واللّه سبحانه كالملك العظيم يفوض كل صنف من أصناف رعيته وكل شطر من أشطار ملكه إلى وال تام الاختيار له أن يفعل ما يشاؤه في منطقة نفوذه وحوزة ولايته . وإذا ظن الظان أن الدين الحق لا يصير مغلوبا في ظاهر تقدمه والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو أول من يتحمله من ربه ويحمل أثقاله - لا يقهر في ظاهر دعوته أو أنه لا يقتل أو لا يموت فقد ظن باللّه غير الحق ظن الجاهلية فاتخذ للّه أندادا ، وجعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ربا وثنيا مفوضا اليه أمر الغلبة والغنيمة ، مع أن اللّه سبحانه واحد لا شريك له ، اليه يرجع الأمر كله وليس لأحد من الأمر شيء ، ولذلك لما قال تعالى فيما تقدم من الآيات : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ، قطع الكلام بالاعتراض فقال - يخاطب نبيه - : ليس لك من الأمر شيء لئلا يتوهم أن له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دخلا في قطع أو كبت ، واللّه سبحانه هو الذي وضع سنة الأسباب والمسببات ، فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحق والباطل ، والخير والشر ، والهداية والضلالة ، والعدل والظلم ؛ ولا فرق فيه بين المؤمن والكافر ، والمحبوب والمبغوض ، ومحمد وأبي سفيان . نعم للّه سبحانه عناية خاصة بدينه وبأوليائه يجري نظام الكون بسببها جريا ينجر إلى ظهور الدين وتمهد الأرض لأوليائه والعاقبة للمتقين . وأمر النبوة والدعوة ليس بمستثنى من هذه السنة الجارية ، ولذلك كلما توافقت الأسباب العادية على تقدم هذا الدين وظهور المؤمنين كبعض غزوات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان ذلك ، وحيث لم