السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
571
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تعالى ذم في كتابه هذا الحزن كما قال : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ( الحديد / 23 ) فهذا الغم الذي يصرفهم عن ذاك الحزن المذموم نعمة وموهبة فيكون هو الغم الطاري عليهم من جهة الندامة على ما وقع منهم والتحسر على ما فاتهم من النصر بسبب الفشل ، ويكون حينئذ الغم الثاني في قوله : بِغَمٍّ ، الغم الآتي من قبل الحزن المذكور ، والباء للبدلية ، والمعنى : جازاكم غما بالندامة والحسرة على فوت النصر بدل غم بالحزن على ما فاتكم وما أصابكم . ومن الجائز أن يكون قوله : فَأَثابَكُمْ مضمنا معنى الإبدال فيكون المعنى : فأبدلكم غم الحزن من غم الندامة والحسرة مثيبا لكم ، فينعكس المعنى في الغمين بالنسبة إلى المعنى السابق . وعلى كل من المعنيين يكون قوله : فَأَثابَكُمْ ، تفريعا على قوله : وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ، ويتصل به ما بعده أعني قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ ، أحسن اتصال ، والترتيب : أنه عفا عنكم فأثابكم غما بغم ليصونكم عن الحزن الذي لا يرتضيه لكم ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا . وهاهنا وجه آخر يساعده ظهور السياق في تفريع قوله : فَأَثابَكُمْ ، على ما يتصل به بمعنى أن يكون الغم هو ما يتضمنه قوله : إِذْ تُصْعِدُونَ ، والمراد بقوله : بِغَمٍّ هو ما أدى اليه التنازع والمعصية وهو إشراف المشركين عليهم من ورائهم ، والباء للسببية وهذا معنى حسن ، وعلى هذا يكون المراد بقوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا ، الخ ؛ نبين لكم حقيقة الأمر لئلا تحزنوا ، كما في قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ الآية ( الحديد / 23 ) . فهذا ما يستقيم به نظم الآية واتساق الجمل المتعاقبة ، وللمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله : فَأَثابَكُمْ ، ومن حيث معنى الغم الأول والثاني ومعنى الباء ومعنى قوله : لِكَيْلا ، ليست من الاستقامة على شيء ، ولا جدوى في نقلها والبحث عنها .