السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
572
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وعلى ما احتملناه من أحد معنيين يكون المراد مما فات في قوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ هو الغلبة والغنيمة ، ومما أصاب ما أصاب القوم من القتل والجرح . قوله تعالى : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ الأمنة بالتحريك الأمن ، والنعاس ما يتقدم النوم من الفتور وهو نوم خفيف ، ونعاسا بدل من أمنة للملازمة عادة ، وربما احتمل أن يكون أمنة جمع آمن كطالب وطلبة ، وهو حينئذ حال من ضمير عليكم ، ونعاسا مفعول قوله : أَنْزَلَ ، والغشيان : الإحاطة . والآية تدل على أن هذا النعاس النازل إنما غشي طائفة من القوم ، ولم يعم الجميع بدليل قوله : طائِفَةً مِنْكُمْ ، وهؤلاء هم الذين رجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد الانهزام والإصعاد لما ندموا وتحسروا ، وحاشا أن يعفو اللّه عنهم عفو رحمة وهم في حال الفرار عن الزحف وهو من كبائر المعاصي والآثام وقد قال : ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضل على المؤمنين ، وحاشا أن تشمل عنايته تعالى على مقترف الفحشاء والمنكر حين يقترف من قبل أن يتوب وقد عنى في حقهم حين أثابهم غما بغم لكيلا يحزنوا فيتقذر قلوبهم بما لا يرتضيه اللّه سبحانه على ما مر بيانه . فهؤلاء بعض القوم وهم النادمون على ما فعلوا الراجعون إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المحتفون به ، وكأن ذلك إنما كان حين فارق صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جموع المشركين وعاد إلى الشعب ، وإن كان عودهم اليه تدريجا بعد العلم بأنه لم يقتل . وأما البعض الآخر من القوم فهم الذين يذكرهم اللّه بقوله : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ . قوله تعالى : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ هذه طائفة أخرى من المؤمنين ونعني بكونهم من المؤمنين أنهم غير المنافقين الذين ذكرهم اللّه أخيرا بقوله : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ، الآية ؛ وهم الذين فارقوا جماعة المؤمنين من أول الأمر قبل القتال واتخذوا فهؤلاء المنافقون لهم شأن آخر سينبىء