السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
570
مختصر الميزان في تفسير القرآن
المؤمن من المنافق ، والمؤمن الراسخ في إيمانه الثابت على عزيمته من المتلون السريع الزوال ، ومع ذلك فإن اللّه سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال : ولقد عفا عنكم . قوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ الإصعاد هو الذهاب والإبعاد في الأرض بخلاف الصعود فهو الارتقاء إلى مكان عال يقال : أصعد في جانب البر أي ذهب فيه بعيدا ، وصعد في السلم أي ارتقى ، وقيل : إن الإصعاد ربما استعمل بمعنى الصعود . والظرف متعلق بمقدر أي اذكروا إذ تصعدون ، أو بقوله : صَرَفَكُمْ ، أو بقوله لِيَبْتَلِيَكُمْ ، - على ما قيل - وقوله : وَلا تَلْوُونَ ، من اللي بمعنى الالتفات والمل قال في المجمع : ولا يستعمل إلّا في النفي لا يقال : لويت على كذا ، انتهى . وقوله : وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ، الأخرى مقابل الأولى وكون الرسول يدعو وهو في أخراهم يدل على أنهم تفرقوا عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهم سواد ممتد على طوائف أوليهم مبتعدون عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأخراهم بقرب منه ، وهو يدعوهم من غير أن يلتفت اليه لا أولاهم ولا أخراهم فتركوه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بين جموع المشركين وهم يصعدون فرارا من القتل . نعم قوله تعالى قبيل هذا : وسيجزي اللّه الشاكرين - وقد مر تفسيره - يدل على أن منهم من لم يتزلزل في عزيمته ولم ينهزم لا في أول الانهزام ، ولا بعد شيوع خبر قتل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما يدل عليه قوله : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ ، الآية . ومما يدل عليه قوله : وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أن خبر قتل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنما انتشر بينهم بعد انهزامهم وإصعادهم . قوله تعالى : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ الخ ؛ أي جازاكم غما بغم ليصرفكم عن لحزن على كذا ، وهذا الغم الذي أثيبوا به كيفما كان هو نعمة منه تعالى بدليل قوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ ، فإن اللّه