السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

529

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وربما يفهم من قوله : مَقامُ إِبْراهِيمَ أن البيت أو في البيت موضع قيام إبراهيم بعبادة اللّه سبحانه . ويمكن أن يكون تقدير الكلام : هي مقام إبراهيم والأمن والحج ثم وضع قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ ، وقوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ، وهما جملتان مشتملتان على حكم إنشائي موضع الخبرين ، وهذا من أعاجيب أسلوب القرآن حيث يستخدم الكلام المسوق لغرض في سبيل غرض آخر فيضعه موضعه لينتقل منه إليه فيفيد فائدتين ، ويحفظ الجهتين كحكاية الكلام في موضع الإخبار كقوله : كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ( البقرة / 285 ) ، وكما مر في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ الآية ( البقرة / 258 ) ، وقوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ الآية ( البقرة / 259 ) ، وقد بينا النكتة في ذلك في تفسير الثانية ، وكما في قوله تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( الشعراء / 89 ) ، وكما في قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الآية ( البقرة / 177 ) ، حيث وضع صاحب البر مكان البر ، وكما في قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ الآية ( البقرة / 171 ) ؛ ومثله غالب الأمثال الواردة في القرآن الكريم . وعلى هذا فوزان قوله : فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ - إلى قوله - عَنِ الْعالَمِينَ في التردد بين الإنشاء والإخبار ، وزان قوله : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( ص / 44 ) . قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، الحج بالكسر ( وقرئ بالفتح ) هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بيّنه