السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

528

مختصر الميزان في تفسير القرآن

مقصدا للقاصدين ومعبدا للعابدين . قوله تعالى : فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ، الآيات وإن وصفت بالبينات ، وأفاد ذلك تخصصا ما في الموصوف إلّا إنها مع ذلك لا تخرج عن الإبهام ، والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ولا يناسب ذلك إلّا الإتيان ببيان واضح ، والوصف بما لا غبار عليه بالإبهام والإجمال ، وهذا من الشواهد على كون قوله : مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ، إلى آخر الآية ؛ بيانا لقوله : آياتٌ بَيِّناتٌ فالآيات هي : مَقامُ إِبْراهِيمَ ، وتقرير الأمن فيه ، وإيجاب حجه على الناس المستطيعين . لكن لا كما يتراءى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلا أو عطف بيان من قوله : آياتٌ لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل قولنا : هي مقام إبراهيم ، والأمن لمن دخله ، وحجه لمن استطاع اليه سبيلا ، وفي ذلك إرجاع قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ ، سواء كان إنشاء أو إخبارا إلى المفرد بتقدير أن وإرجاع قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ، وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضا ، وكل ذلك مما لا يساعد عليه الكلام البتة . وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله : مَقامُ إِبْراهِيمَ ، الخ ؛ كل لغرض خاص من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال : فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه . قوله تعالى : مَقامُ إِبْراهِيمَ مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم ، وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل عليه السّلام ، وقد استفاض النقل بأن الحجر مدفون في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة المطاف حيال الملتزم ، وقد أشار اليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية : وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل