السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
510
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وقوله تعالى : أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، اسم كان إلّا أنه توطئة لما يتبعه من قوله : ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ، وذكر هذه التوطئة مع صحة المعنى بدونها ظاهرا يفيد وجها آخر لمعنى قوله : ما كانَ لِبَشَرٍ ، فإنه لو قيل : ما كان لبشر أن يقول للناس ، كان معناه أنه لم يشرع له الحق وإن أمكن أن يقول ذلك فسقا وعتوا ، ولكنه إذا قيل : ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول : كان معناه أن إيتاء اللّه له العلم والفقه بما عنده وتربيته له بتربية ربانية لا يدعه أن يعدو طور العبودية ، ولا يوسع له أن يتصرف فيما لا يملكه ولا يحق له كما يحكيه تعالى عن عيسى عليه السّلام في قوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ( المائدة / 116 ) . ومن هنا تظهر النكتة في قوله : أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ ، الخ ؛ دون أن يقال : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ ، الخ ؛ فإن العبارة الثانية تفيد معنى أصل التشريع كما تقدم بخلاف قوله : أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ ، الخ ؛ فإنه يفيد أن ذلك غير ممكن البتة أي أن التربية الربانية والهداية الإلهية لا تتخلف عن مقصدها كما قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ ( يعني قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( الأنعام / 89 ) . فمحصل المعنى أنه لا يسع لبشر أن يجمع بين هذه النعم الإلهية وبين دعوة الناس إلى عبادة نفسه بأن يؤتى الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون اللّه ، فالآية بحسب السياق بوجه كقوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ - إلى أن قال - : وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( النساء / 173 ) ، فإن المستفاد من الآية : أن المسيح وكذا الملائكة المقربون أجل شأنا وأرفع قدرا أن يستنكفوا عن عبادة اللّه فإن