السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

511

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الاستنكاف عن عبادته يستوجب أليم العذاب ، وحاشا أن يعذب اللّه كرام أنبيائه ومقربي ملائكته . قوله تعالى : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ الرباني منسوب إلى الرب ، زيد عليه الألف والنون للدلالة على التفخيم كما يقال لحياني لكثير اللحية ونحو ذلك ، فمعنى الرباني شديد الاختصاص بالرب وكثير الاشتغال بعبوديته وعبادته ، والباء في قوله : بِما كُنْتُمْ ، للسببية ، وما مصدرية ، والكلام بتقدير القول والمعنى ، ولكن يقول : كونوا ربانيين بسبب تعليمكم الكتاب للناس ودراستكم إياه فيما بينكم . والدراسة أخص من التعليم فإنه يستعمل غالبا فيما يتعلم عن الكتاب بقراءته ، قال الراغب : درس الدار بقي أثرها ، وبقاء الأثر يقتضي انمحائه في نفسه ، فلذلك فسر الدروس بالانمحاء ، وكذا درس الكتاب ، ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ ، لما كان تناول ذلك بمداوة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالحفظ ، قال تعالى : ودرسوا ما فيه ، وقال : بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ، وما آتيناهم من كتب يدرسونها انتهى . ومحصل الكلام أن البشر الذي هذا شأنه إنما يدعوكم إلى التلبس بالإيمان واليقين بما في الكتاب الذي تعلمونه وتدرسونه من أصول المعارف الإلهية ، والاتصاف والتحقق بالملكات والأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها ، والعمل بالصالحات التي تدعون الناس إليها حتى تنقطعوا بذلك إلى ربكم ، وتكونوا به علماء ربانيين . وقوله : بِما كُنْتُمْ ، حيث اشتمل على الماضي الدال على التحقق لا يخلو عن دلالة ما على أن الكلام في الآية مسوق للتعريض بالنصارى من أهل الكتاب في قولهم : إن عيسى أخبرهم بأنه ابنه وكلمته على الخلاف في تفسير البنوة ، وذلك أن بني إسرائيل هم الذين كان في أيديهم كتاب سماوي يعلمونه ويدرسونه وقد اختلفوا فيه اختلافا يصاحب التغيير