السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

472

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فرض تردد من نفس السامع المحاج من جهة كون البيان وحيا إلهيا لم يجز الارتياب فيه من جهة كونه برهانا يناله العقل السليم ، ولعله لذلك قيل : من بعد ما جاءك من العلم ولم يقل : من بعد ما بيناه لهم . وهاهنا نكتة أخرى وهي أن في تذكيره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالعلم تطييبا لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن اللّه ، وأن ربه ناصره وغير خاذله البتة . قوله تعالى : فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ، المتكلم مع الغير في قوله : نَدْعُ ، غيره في قوله : أَبْناءَنا و نِساءَنا و أَنْفُسَنا فإنه في الأول مجموع المتخاصمين من جانب الإسلام والنصرانية ، وفي الثاني وما يلحق به من جانب الإسلام ، ولذا كان الكلام في معنى قولنا : ندع الأبناء والنساء والأنفس فندعو نحن أبنائنا ونسائنا وأنفسنا وتدعون أنتم أبنائكم ونسائكم وأنفسكم ، ففي الكلام إيجاز لطيف . والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين رسول اللّه وبين رجال النصارى لكن عممت الدعوة للأبناء والنساء ليكون أدل على اطمينان الداعي بصدق دعوه وكونه على الحق لما أودعه اللّه سبحانه في قلب الانسان من محبتهم والشفقة عليهم فتراه يقيهم بنفسه ، ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم ، وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذبّ عنهم ، ولذلك بعينه قدم الأبناء على النساء لأن محبة الإنسان بالنسبة إليهم أشد وأدوم . قوله تعالى : ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ، الابتهال من البهلة بالفتح والضم وهي اللعنة ؛ هذا أصله ثم كثر استعماله في الدعاء والمسألة إذا كان مع إصرار وإلحاح . وقوله : فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ ، كالبيان للابتهال ، وقد قيل : فنجعل ، ولم يقل ، فنسأل إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة حيث يمتاز بها الحق من الباطل على طريق التوقف والابتناء . وقوله : الْكاذِبِينَ مسوق سوق العهد دون الاستغراق أو الجنس إذ ليس المراد جعل اللعنة