السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
460
مختصر الميزان في تفسير القرآن
إسرائيل خاصة بالذكر بل يعمم مدحه أو ذمه الجميع . قوله تعالى : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ - إلى قوله - وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ ، الخلق جمع أجزاء الشيء ، وفيه نسبة الخلق إلى غيره تعالى كما يشعر به أيضا قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( المؤمنون / 14 ) . والأكمه هو الذي يولد مطموس العين ؛ وقد يقال لمن تذهب عينه ، قال : كمهت عيناه حتى ابيضتا ؛ قاله الراغب ، والأبرص من كان به برص وهو مرض جلدي معروف . وفي قوله : وَأُحْيِ الْمَوْتى حيث علق الإحياء بالموتى وهو جمع دلالة لا أقل من الإشعار بالكثرة والتعدد . وكذا قوله : بِإِذْنِ اللَّهِ ، سيق للدلالة على أن صدور هذه الآيات المعجزة منه عليه السّلام مستند إلى اللّه تعالى من غير أن يستقل عيسى عليه السّلام بشيء من ذلك ، وإنما كرر تكرارا يشعر بالإصرار لما كان من المترقب أن يضل فيه الناس فيعتقدوا بألوهيته استدلالا بالآيات المعجزة الصادرة عنه عليه السّلام ، ولذا كان يقيد كل آية يخبر بها عن نفسه مما يمكن أن يضلوا به كالخلق وإحياء الموتى بإذن اللّه ثم ختم الكلام بقوله : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . وظاهر قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ، الخ ؛ أن هذه الآيات كانت تصدر عنه صدورا خارجيا لا أن الكلام مسوق لمجرد الاحتجاج والتحدي ، ولو كان مجرد قول لقطع العذر وإتمام الحجة لكان من حق الكلام أن يقيد بقيد يفيد ذلك كقولنا : إن سألتم أو أردتم أو نحو ذلك . قوله تعالى : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ، وهذا إخبار بالغيب المختص باللّه تعالى ، ومن خصه من رسله بالوحي ؛ وهو آية أخرى وإخبار بغيب صريح التحقق لا يتطرق اليه الشك والريب فإن الإنسان لا يشك عادة فيما أكله ولا فيما ادخره في بيته . وإنما لم يقيد هذه الآية بإذن اللّه مع أن الآية لا تتحقق إلّا بإذن منه تعالى كما قال : وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ( المؤمن / 78 ) ، لأن هذه الآية عبر عنها بالإنباء وهو كلام قائم بعيسى عليه السّلام بعد فعلا له فلا يليق أن يسند إلى ساحة القدس بخلاف الآيتين السابقتين أعني الخلق والإحياء فإنها فعل اللّه بالحقيقة ولا ينسبان إلى غيره إلّا بإذنه .