السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
461
مختصر الميزان في تفسير القرآن
على أن الآيتين المذكورتين ليستا كالإنباء فإن الضلالة إلى الناس فيهما أسرع منه في الإنباء فإن القلوب الساذجة تقبل ألوهية خالق الطير ومحيي الموتى بأدنى وسوسة ومغلطة بخلاف ألوهية من يخبر بالمغيبات فإنها لا تذعن باختصاص الغيب باللّه سبحانه بل تعتقده أمرا مبتذلا جايز النيل لكل مرتاض أو كاهن مشعبذ فكان من الواجب عند مخاطبتهم أن يقيد الآيتين المذكورتين بالإذن دون الأخيرة ، وكذا الإبرار فيكفي فيها مجرد ذكر أنها آية من اللّه ، وخاصة إذا لقى الخطاب إلى قوم يدعون أنهم مؤمنون ، ولذلك ذيل الكلام بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم صادقين في دعويكم الإيمان . قوله تعالى : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ، عطف على قوله : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، وكون المعطوف مبنيا على التكلم مع كون المعطوف عليه مبنيا على الغيبة أعني كون عيسى عليه السّلام في قوله : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ ، متكلما وفي قوله : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، غائبا ليس مما يضر بالعطف بعد تفسيره قوله : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، بقول عيسى : أني قد جئتكم ، فإن وجه الكلام يتبدل بذلك من الغيبة إلى الحضور فيستقيم به العطف . وتصديقه للتوراة التي بين يديه إنما هو تصديق لما علمه اللّه من التوراة على ما تفيده الآية السابقة ، وهو التوراة الأصل النازلة على موسى عليهما السّلام فلا دلالة لكونه مصدقا للتوراة التي في زمانه على كونها غير محرفة كما لا دلالة لتصديق نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للتوراة التي بين يديه على كونها غير محرفة . قوله تعالى : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ، فإن اللّه تعالى كان حرم عليهم بعض الطيبات ، قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ الآية ( النساء / 160 ) . والكلام لا يخلو عن دلالة عن إمضائه عليه السّلام لأحكام التوراة إلّا ما نسخه اللّه تعالى بيده من الأحكام الشاقة المكتوبة على اليهود ؛ ولذا قيل : ان الإنجيل غير مشتمل على الشريعة ، وقوله : وَلِأُحِلَّ ، معطوف على قوله : بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، واللام للغاية ، والمعنى : قد جئتكم لأنسخ