السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
444
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، ويؤيده أنه لو كان من الزرق المعهود ، وكان تنكيره يفيد أنه ما كان يجد محرابها خاليا من الرزق بل كان عندها رزق ما دائما لم يقنع زكريا بقولها : هو من عند اللّه إن اللّه يرزق ، الخ ؛ في جواب قوله : يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ، لإمكان أن يكون يأتيها بعض الناس ممن كان يختلف إلى المسجد لغرض حسن أو سيئ . على أن قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ، الخ ؛ يدل على أن زكريا تلقى وجود هذا الرزق عندها كرامة إلهية خارقة فأوجب ذلك أن يسأل اللّه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة ، فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده على كونه كرامة من اللّه سبحانه لمريم الطاهرة ، ومما يشعر بذلك قوله تعالى : قالَ يا مَرْيَمُ ، الخ ؛ على ما سيجيء من البيان . وقوله : قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ ، الخ ؛ فصل الكلام من غير أن يعطف على قوله : وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ، يدل على أنه عليه السّلام إنما قال لها ذلك مرة واحدة فأجابت بما قنع به واستيقن أن ذلك كرامة لها وهنالك دعا وسأل ربه ذرية طيبة . قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً الخ ؛ طيب الشيء ملائمته لصاحبه فيما يريده لأجله ، فالبلد الطيب ما يلائم حيوة أهله من حيث الماء والهواء والرزق ونحو ذلك ، قال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ( الأعراف / 58 ) ، والعيشة الطيبة والحياة الطيبة ما يلائم بعض أجزائها بعضا ويسكن إليها قلب صاحبها ومنه الطيب للعطر الزكي فالذرية الطيبة هو الولد الصالح لأبيه مثلا الذي يلائم من حيث صفاته وأفعاله ما عند أبيه من الرجاء والأمنية فقول زكريا عليه السّلام : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ، لما كان الباعث له عليه ما شاهد من أمر مريم وخصوص كرامتها على اللّه وامتلاء قلبه من شأنها لم يملك من نفسه دون أن يسأل اللّه أن يهب له مثلها خطرا وكرامة ، فكون ذريته طيبة أن يكون لها ما لمريم من الكرامة عند اللّه والشخصية في نفسها ، ولذلك استجيب في عين ما سأل من اللّه ، ووهب له يحيى وهو أشبه