السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

445

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الأنبياء بعيسى عليهما السّلام ، وأجمع الناس لما عند عيسى وأمه مريم الصديقة من صفات الكمال والكرامة ، ومن هنا ما سماه تعالى بيحيى وجعله مصدقا بكلمة من اللّه وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ، وهذه أقرب ما يمكن أن يشابه بها إنسان مريم وابنه عيسى عليهما السّلام على ما سنبينه ان شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى إلى آخر الآية ؛ ضمائر الغيبة والخطاب لزكريا ، والبشرى والإبشار والتبشير الإخبار بما يفرح الإنسان بوجوده . وقوله : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ، دليل على أن تسميته بيحيى إنما هو من جانب اللّه سبحانه كما تدل عليه نظائر هذه الآيات في سورة مريم ، قال تعالى : يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( مريم / 7 ) . وتسميته بيحيى وكون التسمية من عند اللّه سبحانه في بدء ما بشر به زكريا قبل تولد يحيى وخلقه يؤيد ما ذكرناه آنفا : أن الذي طلبه زكريا من ربه أن يرزقه ولدا يكون شأنه شأن مريم ، وقد كانت مريم هي وابنها عيسى عليهما السّلام آية واحدة كما قال تعالى : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( الأنبياء / 91 ) . فروعي في يحيى عليه السّلام ما روعي فيهما من عند اللّه سبحانه ، وقد روعي في عيسى عليه السّلام كمال ما روعي في مريم ، فالمرعي في يحيى هو الشبه التام والمحاذاة الكاملة مع عيسى عليهما السّلام فيما يمكن ذلك ، ولعيسى في ذلك كله التقدم التام لأن وجوده كان مقدرا قبل استجابة دعوة زكريا عليه السّلام في حق يحيى ، ولذلك سبقه عيسى في كونه من اولي العزم صاحب شريعة وكتاب وغير ذلك لكنهما تشابها وتشابه أمرهما فيما يمكن . وفي قوله : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ دلالة على كونه من دعاة عيسى فالكلمة هو عيسى المسيح كما ذكره تعالى في ذيل هذه الآيات في بشارة الروح لمريم .