السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
429
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ومن في قوله : مِنَ اللَّهِ ، لابتداء ، ويفيد في أمثال هذا المقام معنى التحزب أي ليس من حزب اللّه في شيء كما قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ( المائدة / 56 ) ، وكما فيما حكاه عن إبراهيم عليه السّلام من قوله : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ( إبراهيم / 36 ) ، أي من حزبي ، وكيف كان فالمعنى واللّه أعلم : ليس من حزب اللّه مستقرا في شيء من الأحوال والآثار . قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ، الاتقاء في الأصل أخذ الوقاية للخوف ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا للمسبب في مورد السبب ولعل التقية في المورد من هذا القبيل . والاستثناء منقطع فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب والولاية ليس من التولي في شيء لأن الخوف والحب أمران قلبيان متبائنان ومتنافيان أثرا في القلب فكيف يمكن اتحادهما ؟ فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع . وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر وسمية وهي قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( النحل / 106 ) . وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة ، والاعتبار العقلي يؤكد إذ لا بغية للدين ، ولا هم لشارعه إلّا ظهور الحق وحياته ، وربما يترتب على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين وحيوة الحق ما لا يترتب على تركها ، وإنكار ذلك مكابرة وتعسف ، وسنستوفي الكلام فيها في البحث الروائي التالي ، وفي الكلام على قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ( النحل / 106 ) .