السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

430

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، التحذير تفعيل من الحذر وهو الاحتراز من أمر مخيف وقد حذر اللّه عباده من عذابه كما قال تعالى : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( الإسراء / 57 ) ، وحذر من المنافقين وفتنة الكفار فقال : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ( المنافقين / 4 ) ، وقال : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ ( المائدة / 49 ) ، وحذرهم من نفسه كما في هذه الآية وما يأتي بعد آيتين ، وليس ذلك إلّا للدلالة على أن اللّه سبحانه نفسه هو المخوف الواجب الاحتراز في هذه المعصية ، أي ليس بين هذا المجرم وبينه تعالى شيء مخوف آخر حتى يتقى عنه بشيء أو يتحصن منه بحصن ، وإنما هو اللّه الذي لا عاصم منه ، ولا أن بينه وبين اللّه سبحانه أمر مرجو في دفع الشر عنه من ولي ولا شفيع ، ففي الكلام أشد التهديد ، ويزيد في اشتداده تكراره مرتين في مقام واحد ويؤكده تذييله أولا بقوله : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، وثانيا بقوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ على ما سيجيء من بيانه . ومن جهة أخرى : يظهر من مطاوي هذه الآية وسائر الآيات الناهية عن اتخاذ غير المؤمنين أولياء أنه خروج عن زي العبودية ، ورفض لولاية اللّه سبحانه ، ودخول في حزب أعدائه لإفساد أمر الدين ؛ وبالجملة هو طغيان وإفساد لنظام الدين الذي هو أشد وأضر بحال الدين من كفر الكافرين وشرك المشركين فإن العدو الظاهر عداوته المباين طريقته مدفوع عن الحومة سهل الاتقاء والحذر ؛ وأما الصديق والحميم إذا استأنس مع الأعداء ودب فيه أخلاقهم وسننهم فلا يلبث فعاله إلّا أن يذهب بالحومة وأهلها من حيث لا يشعرون ، وهو الهلاك الذي لا رجاء للحياة والبقاء معه . وفي قوله : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، دلالة على أن لا مفر لكم منه ولا صارف له ؛ ففيه تأكيد التهديد السابق عليه . والآيات أعني قوله تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ، الآية ؛ وما يتبعها من الآيات من ملاحم القرآن ، وسيجيء بيانه إنشاء اللّه في سورة المائدة .