السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
399
مختصر الميزان في تفسير القرآن
مقابل الزائغين قلبا وبين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته على ما سيجيء بيانه . قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ، الرسوخ هو أشد الثبات ، ووقوع الراسخين في العلم في مقابلة الذين في قلوبهم زيغ ثم توصيفهم بأنهم يقولون آمنا به كل من عند ربنا يدل على تمام تعريفهم ، وهو أن لهم علما باللّه وبآياته لا يدخله ريب وشك ، فما حصل لهم من العلم بالمحكمات ثابت لا يتزلزل ، وهم يؤمنون به ويتبعونه أي يعلمون به وإذا وردت عليهم آية متشابهة لم يوجب تشابهها اضطراب قلوبهم فيما عندهم من العلم الراسخ بل آمنوا بها وتوقفوا عن اتباعها عملا . وفي قولهم : آمنا به كل من عند ربنا ذكر الدليل والنتيجة معا فإن كون المحكم والمتشابه جميعا من عند اللّه تعالى يوجب الايمان بالكل : محكمه ومتشابهه ، ووضوح المراد في المحكم يوجب اتباعه عملا ، والتوقف في المتشابه من غير رده لأنه من عند اللّه ولا يجوز اتباع ما ينافي المحكم من معانيه المتشابهة لسطوع البيان في المحكم فيجب أن يتبع من معانيه المحتملة ما يوافق معنى المحكم ، وهذا بعينه إرجاع المتشابه إلى المحكم فقوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا بمنزلة الدليل على الأمرين جميعا ، أعني : الايمان والعمل في المحكم ، والايمان فقط في المتشابه والرجوع في العمل إلى المحكم . قوله تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ، التذكر هو الانتقال إلى دليل الشيء لاستنتاجه ، ولما كان قولهم : كل من عند ربنا كما مر استدلالا منهم وانتقالا لما يدل على فعلهم سماه اللّه تعالى تذكرا ومدحهم به . والألباب جمع لب وهو العقل الزكي الخالص من الشوائب ، وقد مدحهم اللّه تعالى مدحا جميلا في موارد من كلامه ، وعرّفهم بأنهم أهل الايمان باللّه والإنابة اليه واتباع أحسن القول ، ثم وصفهم بأنهم على ذكر من ربهم دائما فأعقب ذلك أنهم أهل التذكر أي الانتقال إلى المعارف