السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
384
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الانسان شبه الظرفية لما يصدر عنه من الأفعال الاختيارية ، فما يقدر عليه الانسان من الاعمال كأنه تسعه قدرته ، وما لا يقدر عليه لا تسعه فانطبق عليه معنى الطاقة ، ثم سميت الطاقة وسعا فقيل : وسع الانسان أي طاقته وظرفية قدرته . وقد عرفت : أن تمام حق اللّه تعالى على عبده : ان يسمع ويطيع ، ومن البين أن الانسان إما يقول : « سمعا » فيما يمكن ان تقبله نفسه بالفهم ، وأما لا يقبل الفهم فلا معنى لاجابته بالسمع والقبول . ومن البين أيضا ان الانسان انما يقول : « طاعة » فيما يقبل مطاوعة الجوارح وأدوات العمل ، فإن الإطاعة هي مطاوعة الانسان وتأثر قواه وأعضائه عن تأثير الآمر المؤثر مثلا ، وأما ما لا يقبل المطاوعة كأن يؤمر الانسان ان يسمع ببصره ، أو يحل بجسمه أزيد من مكان واحد ، أو يتولد من أبويه مرة ثانية فلا يقبل إطاعة ولا يتعلق بذلك تكليف مولوي ، فإجابة داعي الحق بالسمع والطاعة لا تتحقق الا في ما هو اختياري للإنسان تتعلق به قدرته ، وهو الذي يكسب به الانسان لنفسه ما ينفعه أو يضره ، فالكسب نعم الدليل على أن ما كسبه الانسان إما وجده وتلبس به من طريق الوسع والطاقة . فظهر مما ذكرنا ان قوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ ، كلام جار على سنة اللّه الجارية بين عباده : ان لا يكلفهم ما ليس في وسعهم من الايمان بما هو فوق فهمهم والإطاعة لما هو فوق طاقة قواهم ، وهي أيضا السنة الجارية عند العقلاء وذوي الشعور من خلقه ، وهو كلام ينطبق معناه على ما يتضمنه قوله حكاية عن الرسول والمؤمنين : سمعنا وأطعنا من غير زيادة ولا نقيصة . والجملة أعني قوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً ، متعلقة المضمون بما تقدمها وما تأخر عنها من الجمل المسرودة في الآيتين . أما بالنسبة إلى ما تقدمها فإنها تفيد : أن اللّه لا يكلف عباده بأزيد مما يمكنهم فيه السمع والطاعة وهو ما في وسعهم ان يأتوا به . وأما بالنسبة إلى ما تأخر عنها فإنها تفيد أن ما سأله النبي والمؤمنون من عدم المؤاخذة