السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
261
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بيان : الآية تبيّن السبب في تشريع أصل الدين وتكليف النوع الانساني به ، وسبب وقوع الاختلاف فيه ببيان : ان الانسان - وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون - كان في أول اجتماعه أمة واحدة ، ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية ، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة ، والمشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين ، وشفّعت بالتبشير والانذار : بالثواب والعقاب ، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين ، وإرسال المرسلين ، ثم اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدإ والمعاد ، فاختل بذلك أمر الوحدة الدينية ، وظهرت الشعوب والأحزاب ، وتبع ذلك الاختلاف في غيره ، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلّا بغيا من الذين أوتوا الكتاب ، وظلما وعتوا منهم بعد ما تبيّن لهم أصوله ومعارفه ، وتمت عليهم الحجة ، فالاختلاف اختلافان : اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم ، واختلاف في أمر الدنيا وهو فطري وسبب لتشريع الدين ، ثم هدى اللّه سبحانه المؤمنين إلى الحق المختلف فيه بإذنه ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فالدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الانساني ، والمصلح لامر حياته ، يصلح الفطرة بالفطرة ويعدل قواها المختلفة عند طغيانها ، وينظّم للانسان سلك حياته الدنيوية والأخروية ، والمادية والمعنوية ، فهذا إجمال تاريخ حياة هذا النوع ( الحياة الاجتماعية والدينية ) على ما تعطيه هذه الآية الشريفة .