السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
254
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تعقيب الآية بقوله : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ ، الخ ؛ فهي هناك عزة صورية غير باقية ولا أصيلة . قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ الخ ؛ مقابلته مع قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ، الخ ؛ يفيد ان الوصف مقابل الوصف أي كما أن المراد من قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ ، بيان ان هناك رجلا معتزا بإثمه معجبا بنفسه متظاهرا بالاصلاح مضمرا للنفاق لا يعود منه إلى حال الدين والانسانية الا الفساد والهلاك كذلك المراد من قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ، الخ ؛ بيان ان هناك رجلا آخر باع نفسه من اللّه سبحانه لا يريد الا ما اراده اللّه تعالى لا هوى له في نفسه ولا اعتزاز له الا بربه ولا ابتغاء له الا لمرضات اللّه تعالى ، فيصلح به امر الدين والدنيا ، ويحيى به الحق ، ويطيب به عيش الانسانية ، ويدر به ضرع الاسلام ، وبذلك يظهر ارتباط الذيل بالصدر أعني قوله تعالى : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ، بما قبله ، فإن وجود إنسان هذه صفته من رأفة اللّه سبحانه بعباده إذ لولا رجال هذه صفاتهم بين الناس في مقابل رجال آخرين صفتهم ما ذكر من النفاق والافساد لانهدمت أركان الدين ، ولم تستقر من بناء الصلاح والرشاد لبنة على لبنة ، لكن اللّه سبحانه لا يزال يزهق ذاك الباطل بهذا الحق ويتدارك إفساد أعدائه بإصلاح أوليائه كما قال تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ( البقرة / 251 ) ، وقال تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ( الحج / 40 ) ، وقال تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( الانعام / 89 ) ، فالفساد الطاري على الدين والدنيا من قبل عدة ممن لا هوى له إلّا في نفسه لا يمكن سد ثلمته إلّا بالصلاح الفائض من قبل آخرين ممن باع نفسه من اللّه سبحانه ، ولا هوى له إلّا من ربه ، وإصلاح الأرض ومن عليها ، وقد ذكر هذه المعاملة الرابية عند اللّه بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا