السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
253
مختصر الميزان في تفسير القرآن
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . فهذا الذي يخالف ظاهر قوله باطن قلبه إذا سعى في الأرض بالفساد فإنما يفسد بما ظاهره الاصلاح بتحريف الكلمة عن موضعها ، وتغيير حكم اللّه عما هو عليه ، والتصرف في التئاليف الدينية ، بما يؤدي إلى فساد الاخلاق واختلاف الكلمة ، وفي ذلك موت الدين ، وفناء الانسانية ، وفساد الدنيا ، وقد صدق هذه الآيات ما جرى عليه التاريخ من ولاية رجال وركوبهم أكتاف هذه الأمة الاسلامية ، وتصرفهم في امر الدين والدنيا بما لم يستعقب للدين الا وبالا ، وللمسلمين الا انحطاط ، وللأمة الا اختلافا ، فلم يلبث الدين حتى صار لعبة لكل لاعب ، ولا الانسانية الا خطفة لكل خاطف ، فنتيجة هذا السعي فساد الأرض ، وذلك بهلاك الدين أولا ، وهلاك الانسانية ثانيا ، ولهذا فسر قوله ويهلك الحرث والنسل في بعض الروايات بهلاك الدين والانسانية كما يأتي إن شاء اللّه . قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ، العزة معروفة ، والمهاد الوطاء ، والظاهر أن قوله : بِالْإِثْمِ متعلق بالعزة ، والمعنى انه إذا أمر بتقوى اللّه اخذته العزة الظاهرة التي اكتسبها بالاثم والنفاق المستبطن في نفسه ، وذلك ان العزة المطلقة انما هي من اللّه سبحانه كما قال تعالى : تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ( آل عمران / 26 ) ، وقال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ( المنافقين / 8 ) ، وقال تعالى : أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ( النساء / 139 ) . وحاشا ان ينسب تعالى شيئا إلى نفسه ويختصه بإعطائه ثم يستعقب اثما أو شرا فهذه العزة انما هي عزة يحسبها الجاهل بحقيقة الامر عزة بحسب ظاهر الحياة الدنيا لا عزة حقيقية أعطاها اللّه سبحانه لصاحبها . واما قوله تعالى : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ( ص / 2 ) ، فليس من قبيل التسمية والامضاء لكون العزة نكرة مع