السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

220

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الباطني من طريق الأسباب إلى ربه فاستفاض منه ، وإذا طلب ذلك من سبب من الأسباب فليس ذلك من شعور فطري باطني وانما هو امر صوره له تخيله لعلل أوجبت هذا التخيل من غير شعور باطني بالحاجة ، وهذا من الموارد التي يخالف فيها الباطن الظاهر . ونظير ذلك : ان الانسان كثيرا ما يحب شيئا ويهتم به حتى إذا وقع وجده ضارا بما هو أنفع منه وأهم وأحب فترك الأول وأخذ بالثاني ، وربما هرب من شيء حتى إذا صادفه وجده أنفع وخيرا مما كان يتحفظ به فأخذ الأول وترك الثاني ، فالصبي المريض إذا عرض عليه الدواء المر امتنع من شربه وأخذ بالبكاء وهو يريد الصحة ، فهو بشعوره الباطني الفطري يسأل الصحة فيسأل الدواء وان كان بلسان قوله أو فعله يسأل خلافه ، فللانسان في حياته نظام بحسب الفهم الفطري والشعور الباطني وله نظام آخر بحسب تخيله والنظام الفطري لا يقع فيه خطاء ولا في سيره خبط ، واما النظام التخيلي فكثيرا ما يقع فيه الخطاء والسهو ، فربما سأل الانسان أو طلب بحسب الصورة الخيالية شيئا ، وهو بهذا السؤال بعينه يسأل شيئا آخر أو خلافه ، فعلى هذا ينبغي أن يقرر معنى الأحاديث ، وهو اللائح من قول علي عليه السّلام فيما سيأتي : أن العطية على قدر النية ؛ الحديث . وفي عدة الداعي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة . وفي الحديث القدسي : أنا عند ظن عبدي بي ، فلا يظن بي إلا خيرا . أقول : وذلك ان الدعاء مع اليأس أو التردد يكشف عن عدم السؤال في الحقيقة كما مر ، وقد ورد المنع عن الدعاء بما لا يكون . وفي العدة أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إفزعوا إلى اللّه في حوائجكم ، والجئوا اليه في ملماتكم ، وتضرعوا اليه وادعوه ، فإن الدعاء مخ العبادة ، وما من مؤمن يدعو اللّه الا استجاب فإما أن يعجله له في الدنيا أو يؤجل له في الآخرة ، واما أن يكفر له من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم .