السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
191
مختصر الميزان في تفسير القرآن
كالسماء والأرض واختلاف الليل والنهار دلالة على أنها أيضا تنتهي مثلها إلى صنع اللّه سبحانه في الطبيعة فان نسبة الفعل إلى الإنسان بحسب الدقة لا تزيد على نسبة الفعل إلى سبب من الأسباب الطبيعية ، والاختيار الذي يتبجح به الإنسان لا يجعله سببا تاما مستقلا غير مفتقر إلى إرادة اللّه سبحانه ولا يجعله أقل احتياجا اليه تعالى بالنسبة إلى سائر الأسباب الطبيعية ، فلا فرق من حيث الاحتياج إلى إرادة اللّه سبحانه بين أن يفعل قوة طبيعية في مادة ، فتوجد بالفعل والانفعال والتحريك والتركيب والتحليل صورة من الصور كصورة الحجارة مثلا ، وبين أن يفعل الإنسان بالتحريك والتقريب والتبعيد في المادة صورة من الصور كصورة السفينة مثلا في أن الجميع تنتهي إلى صنع اللّه وايجاده لا يستقل شيء مستغنيا عنه تعالى في ذاته وفعله . فالفلك أيضا مثل سائر الموجودات الطبيعية تفتقر إلى الإله في وجودها وتفتقر إلى الإله في تدبير أمرها من غير فرق ، وقد أشار تعالى إلى هذه الحقيقة بقوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( الصافات / 96 ) ، حيث حكاه من إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام التي اتخذوها آلهة فان من المعلوم أن الصنم ليس إلّا موجودا صناعيا كالفلك التي تجري في البحر ، وقال تعالى : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( الرحمن / 24 ) ، فعدها ملكا لنفسه ، وقال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ( إبراهيم / 32 ) ، فعد تدبير أمرها راجعا اليه « 1 » . قوله تعالى : وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ، فان حقيقته عناصر مختلفة يحملها ماء البحار وغيره ثم يتكاثف بخارا متصاعدا حاملا للحرارة حتى ينتهي إلى زمهرير الهواء فيتبدل ماء متقاطرا على
--> ( 1 ) . البقرة 163 - 167 : كلام في استناد مصنوعات الانسان إلى اللّه سبحانه .