السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

162

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يصحح كونها مرجعا يرجع إليه الطرفان ، وميزانا يوزن به الجانبان لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين ، أو يشاهد الطرفين ، فلا تناسب بين الوسطية بذاك المعنى والشهادة وهو ظاهر ، على أنه لا وجه حينئذ للتعرض بكون رسول اللّه شهيدا على الأمة إذ لا يترتب شهادة الرسول على الأمة على جعل الأمة وسطا ، كما يترتب الغاية على المغيى والغرض على ذيه . على أن هذه الشهادة المذكورة في الآية ، حقيقة من الحقائق القرآنية تكرر ذكرها في كلامه سبحانه ، واللائح من موارد ذكرها معنى غير هذا المعنى ، قال تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( النساء / 41 ) ، وقال تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( النحل / 84 ) وقال تعالى وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ( الزمر / 69 ) ، والشهادة فيها مطلقة ، وظاهر الجميع على اطلاقها هو الشهادة على اعمال الأمم ، وعلى تبليغ الرسل أيضا ، كما يومي إليه قوله تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( الأعراف / 6 ) ، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة يوم القيمة لكن تحملها في الدنيا على ما يعطيه قوله تعالى - حكاية عن عيسى عليه السّلام - : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( المائدة / 117 ) وقوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( النساء / 159 ) ، ومن الواضح أن هذه الحواس العادية التي فينا ، والقوى المتعلقة بها منا لا تتحمل إلا صور الأفعال والأعمال فقط ، وذلك التحمل أيضا إنما يكون في شيء يكون موجودا حاضرا عند الحس لا معدوما ولا غائبا عنه وأما حقائق الأعمال والمعاني النفسانية من الكفر والإيمان والفوز والخسران ، وبالجملة كل خفي عن الحس ومستبطن عند الإنسان - وهي التي تكسب القلوب ، وعلى يدور حساب رب العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( البقرة / 225 ) ، فهي مما ليس في وسع الإنسان