السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
163
مختصر الميزان في تفسير القرآن
إحصائها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلا عن الغائبين إلا رجل يتولى اللّه أمره ويكشف ذلك له بيده ، ويمكن أن يستفاد ذلك من قوله تعالى : وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( الزخرف / 86 ) ، فإن عيسى داخل في المستثنى في هذه الآية قطعا - وقد شهد اللّه تعالى في حقه بأنه من الشهداء - كما مر في الآيتين السابقتين ، فهو شهيد بالحق وعالم بالحقيقة . والحاصل أن هذه الشهادة ليست هي كون الأمة على دين جامع للكمال الجسماني والروحاني فإن ذلك على أنه ليس معنى الشهادة خلاف ظاهر الآيات الشريفة . بل هي تحمل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء ، ورد وقبول ، وانقياد وتمرد ، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد اللّه من كل شيء ، حتى من أعضاء الإنسان ، يوم يقول الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا . ومن المعلوم أن هذه الكرامة ليست تنالها جميع الأمة ، إذ ليست إلا كرامة خاصة للأولياء الطاهرين منهم ، وأما من دونهم من المتوسطين في السعادة ، والعدول من أهل الإيمان فليس لهم ذلك ، فضلا عن الأجلاف الجافية ، والفراعنة الطاغية من الأمة ، وستعرف في قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( النساء / 69 ) ، ان أقل ما يتصف به الشهداء - وهم شهداء الأعمال - أنهم تحت ولاية اللّه ونعمته وأصحاب الصراط المستقيم ، وقد مر إجمالا في قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( فاتحة الكتاب / 7 ) . فالمراد بكون الأمة شهيدة أن هذه الشهادة فيهم ، كما أن المراد بكون بني إسرائيل فضلوا على العالمين ، أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف به كل واحد منهم ، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعث فيه ومنه ، فكون الأمة شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس