السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

109

مختصر الميزان في تفسير القرآن

دعواهم أنهم ناجون في الآخرة دون غيرهم وأن نجاتهم وسعادتهم فيها غير مشوبة بهلاك وشقاء لأنهم ليسوا بزعمهم بمعذبين إلّا أياما معدودة وهي أيام عبادتهم للعجل ، قابلهم اللّه تعالى خطابا بما يظهر به كذبهم في دعواهم وانهم يعلمون ذلك من غير تردد وارتياب فقال تعالى لنبيه : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي سعادة تلك الدار فإن من ملك دارا فإنما يتصرف فيها بما يستحسنه ويحبه ويحل منها بأجمل ما يمكن وأسعده وقوله تعالى : عِنْدَ اللَّهِ أي مستقرا عنده تعالى وبحكمه وإذنه ، فهو كقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ( آل عمران / 9 ) ، وقوله تعالى : خالِصَةً أي غير مشوبة بما تكرهونه من عذاب أو هوان لزعمكم أنكم لا تعذبون فيها إلّا أياما معدودة ، قوله تعالى : مِنْ دُونِ النَّاسِ وذلك لزعمكم بطلان كل دين إلّا دينكم ، وقوله تعالى : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهذا كقوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( الجمعة / 6 ) وهذه مؤاخذة بلازم فطري بيّن الأثر في الخارج بحيث لا يقع فيه أدنى الشك وهو إن الإنسان بل كل موجود ذي شعور إذا خير بين الراحة والتعب اختار الراحة من غير تردد وتذبذب وإذا خير بين حيوة وعيشة مكدرة مشوبة وأخرى خالصة صافية اختار الخالصة الهنيئة قطعا ولو فرض ابتلائه بما كان يميل عنه إلى غيره من حيوة شقية ردية أو عيشة منغصة لم يزل يتمنى الأخرى الطيبة الهنيئة فلا ينفك عن التحسر له في قلبه وعن ذكره في لسانه وعن السعي إليه في عمله . فلو كانوا صادقين في دعواهم أن السعادة الخالصة الأخروية لهم دون غيرهم من الناس وجب أن يتمنوه جنانا ولسانا وأركانا ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم من قتل الأنبياء والكفر بموسى ونقض المواثيق واللّه عليم بالظالمين . قوله تعالى : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ كناية عن العمل فإن معظم العمل عند الحس يقع بواسطة اليد فيقدم بعد ذلك إلى من ينتفع به أو يطلبه ففيه عنايتان نسبة التقديم إلى الأيدي