الغزالي
93
إحياء علوم الدين
* ( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) * « 1 » ثم انظر إلى لطف الهواء ، ثم شدته وقوّته مهما ضغط في الماء ، فالزّق المنفوخ يتحامل عليه الرجل القوي ليغمسه في الماء فيعجز عنه ، والحديد الصلب تضعه على وجه الماء فيرسب فيه . فانظر كيف ينقبض الهواء من الماء بقوّته مع لطافته . وبهذه الحكمة أمسك الله تعالى السفن على وجه الماء ، وكذلك كل مجوف فيه هواء لا يغوص في الماء لأن الهواء ينقبض عن الغوص في الماء فلا ينفصل عن السطح الداخل من السفينة ، فتبقى السفينة الثقيلة مع قوتها وصلابتها معلقة في الهواء اللطيف ، كالذي يقع في بئر فيتعلق بذيل رجل قوي ممتنع عن الهوي في البئر . فالسفينة بمقعرها تتشبث بأذيال الهواء القوي حتى تمتنع من الهويّ والغوص في الماء . فسبحان من علق المركب الثقيل في الهواء اللطيف من غير علاقة تشاهد ، وعقدة تشد ثم انظر إلى عجائب الجو وما يظهر فيه من الغيوم ، والرعود والبروق ، والأمطار ، والثلوج ، والشهب ، والصواعق ، فهي عجائب ما بين السماء والأرض ، وقد أشار القرءان إلى جملة ذلك في قوله تعالى * ( وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) * « 2 » وهذا هو الذي بينهما ، وأشار إلى تفصيله في مواضع شتى حيث قال تعالى : * ( والسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ ) * « 3 » وحيث تعرض للرعد ، والبرق ، والسحاب ، والمطر ، فإذا لم يكن لك حظ من هذه الجملة إلا أن ترى المطر بعينك ، وتسمع الرعد بأذنك ، فالبهيمة تشاركك في هذه المعرفة . فارتفع من حضيض عالم البهائم إلى عالم الملإ الأعلى ، فقد فتحت عينيك فأدركت ظاهرها ، فغمض عينك الظاهرة وانظر ببصيرتك الباطنة لترى عجائب باطنها وغرائب أسرارها وهذا أيضا باب يطول الفكر فيه ، إذ لا مطمع في استقصائه ، فتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه ، وكيف يخلقه الله تعالى إذا شاء ومتى شاء ، وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل ، وممسك له في جو السماء ، إلى أن يأذن الله في إرسال الماء ، وتقطيع القطرات كل قطرة بالقدر الذي أراده الله تعالى ،
--> « 1 » القمر : 19 ، 20 « 2 » الدخان : 38 « 3 » البقرة : 164