الغزالي

94

إحياء علوم الدين

وعلى الشكل الذي شاءه ، فترى السحاب يرش الماء على الأرض ، ويرسله قطرات متفاصلة لا تدرك قطرة منها قطرة ، ولا تتصل واحدة بأخرى ، بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه ، فلا يتقدم المتأخر ، ولا يتأخر المتقدم ، حتى يصيب الأرض قطرة قطرة . فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يخلقوا منها قطرة ، أو يعرفوا عدد ما ينزل منها في بلدة واحدة ، أو قرية واحدة ، لعجز حساب الجن والإنس عن ذلك . فلا يعلم عددها إلا الذي أوجدها . ثم كل قطرة منها عينت لكل جزء من الأرض ، ولكل حيوان فيها من طير ، ووحش ، وجميع الحشرات ، والدواب ، مكتوب على تلك القطرة بخط إلهي لا يدرك بالبصر الظاهر أنها رزق الدودة الفلانية ، التي في ناحية الجبل الفلاني ، تصل إليها عند عطشها في الوقت الفلاني هذا مع ما في انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف وفي تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التي لا تحصى كل ذلك فضل من الجبار القادر ، وقهر من الخلاق القاهر ، ما لأحد من الخلق فيه شرك ولا مدخل ، بل ليس للمؤمنين من خلقه إلا الاستكانة والخضوع تحت جلاله وعظمته ، ولا للعميان الجاحدين إلا الجهل بكيفيته ، ورجم الظنون بذكر سببه وعلته . فيقول الجاهل المغرور : إنما ينزل الماء لأنه ثقيل بطبعه ، وإنما هذا سبب نزوله . وبظن أن هذه معرفة انكشفت له ، ويفرح بها . ولو قيل له ما معنى الطبع ؟ وما الذي خلقه ؟ ومن الذي خلق الماء الذي طبعه الثقل ؟ وما الذي رقى الماء المصبوب في أسافل الشجر إلى أعالي الأغصان وهو ثقيل بطبعه ؟ فكيف هوى إلى أسفل ثم ارتفع إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا ، بحيث لا يرى ولا يشاهد حتى ينتشر في جميع أطراف الأوراق ، فيغذى كل جزء من كل ورقة ، ويجرى إليها في تجاويف عروق شعرية صغار ، يروى منه العرق الذي هو أصل الورقة ، ثم ينتشر من ذلك العرق الكبير الممدود في طول الورقة عروق صغار ، فكأن الكبير نهر ، وما انشعب عنه جداول ، ثم ينشعب من الجداول سواق أصغر منها ، ثم ينتشر منها خيوط عنكبوتية دقيقة تخرج عن إدراك البصر حتى تنبسط في جميع عرض الورقة ، فيصل الماء في أجوافها إلى سائر أجزاء الورقة ليغذيها وينميها ، ويزينها ، وتبقى طراوتها ونضارتها ، وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه .