الغزالي

92

إحياء علوم الدين

وتقول النطفة لأرباب السمع والقلب ، لا للذين هم عن السمع معزولون ، توهمنى في ظلمة الأحشاء مغموسة في دم الحيض ، في الوقت الذي يظهر التخطيط والتصوير على وجهي فينقش النقاش حدقتي ، وأجفانى وجبهتي ، وشفتى ، فترى التقويس يظهر شيئا فشيئا على التدريج ، ولا ترى داخل النطفة نقاشا ولا خارجها ، ولا داخل الرحم ولا خارجه ، ولا خبر منها للأم ، ولا للأب ، ولا للنطفة ، ولا للرحم ، أفما هذا النقّاش بأعجب مما تشاهده ينقش بالقلم صورة عجيبة ، لو نظرت إليها مرة أو مرتين لعلمته ؟ فهل تقدر على أن تتعلم هذا الجنس من النقش والتصوير الذي يعم ظاهر النطفة ، وباطنها ، وجميع أجزائها ، من غير ملامسة للنطفة ، ومن غير اتصال بها لا من داخل ولا من خارج ؟ فإن كنت لا تتعجب من هذه العجائب ، ولا تفهم بها أن الذي صور ونقش وقدر لا نظير له ، ولا يساويه نقاش ولا مصور ، كما أن نقشه وصنعه لا يساويه نقش وصنع ، فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين ، فإن كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك ، فإنه أعجب من كل عجب ، فإن الذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ، ومنعك من التبيين مع هذا البيان ، جدير بأن تتعجب منه : فسبحان من هدى وأضل ، وأغوى وأرشد ، وأشقى وأسعد ، وفتح بصائر أحبابه فشاهدوه في جميع ذرات العالم وأجزائه ، وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم بعزه وعلائه ، فله الخلق والأمر ، والامتنان والفضل ، واللطف والقهر ، لا رادّ لحكمه ، ولا معقب لقضائه [ التفكر في الهواء والسحاب ] ومن آياته الهواء اللطيف المحبوس بين مقعر السماء ومحدب الأرض ، لا يدرك بحس اللمس عند هبوب الرياح جسمه ، ولا يرى بالعين شخصه : وجملته مثل البحر الواحد ، والطيور محلقة في جو السماء ومستبقة ، سباحة فيه بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء ، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هبوب الرياح كما تضطرب أمواج البحر . فإذا حرك الله الهواء وجعله ريحا هابّة ، فإن شاء جعله بشرا بين يدي رحمته . كما قال سبحانه * ( وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) * « 1 » فيصل بحركته روح الهواء إلى الحيوانات والنباتات ، فتستعد للنماء وإن شاء جعله عذابا على العصاة من خليقته ، كما قال تعالى

--> « 1 » الحجر : 22