الغزالي

91

إحياء علوم الدين

في مجلدات ، وجمعها أقوام عنوا بركوب البحر وجمع عجائبه ثم انظر كيف خلق الله اللؤلؤ ودوره في صدفه تحت الماء ، وانظر كيف أنبت المرجان من صم الصخور تحت الماء ، وإنما هو نبات على هيئة شجر ينبت من الحجر ثم تأمل ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه ثم أنظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء ، وسير فيها التجار وطلاب الأموال وغيرهم ، وسخر لهم الفلك لتحمل أثقالهم ، ثم أرسل الرياح لتسوق السفن ، ثم عرف الملاحين موارد الرياح ، ومهابها ومواقيتها ولا يستقصى على الجملة عجائب صنع الله في البحر في مجلدات . وأعجب من ذلك كله ما هو أظهر من كل ظاهر ، وهو كيفية قطرة الماء ، وهو جسم رقيق ، لطيف ، سيال مشف ، متصل الأجزاء كأنه شيء واحد ، لطيف التركيب ، سريع القبول للتقطيع كأنه منفصل ، مسخر للتصرف ، قابل للانفصال والاتصال ، به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات ، فلو احتاج العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في تحصيلها لو ملك ذلك . ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في إخراجها . فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار والدرهم ونفائس الجواهر ، ويغفل عن نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو الاستفراغ عنها بذل جميع الدنيا فيها . فتأمل في عجائب المياه والأنهار ، والآبار والبحار ، ففيها متسع للفكر ومجال : وكل ذلك شواهد متظاهرة ، وآيات متناصرة ، ناطقة بلسان حالها ، مفصحة عن جلال بارئها ، معربة عن كمال حكمته فيها ، منادية أرباب القلوب بنغماتها ، قائلة لكل ذي لب أما تراني وترى صورتي ، وتركيبي ، وصفاتي ، ومنافعي ، واختلاف حالاتى ، وكثرة فوائدى ؟ أتظن أني كوّنت نفسي ! أو خلقني أحد من جنسي ؟ أو ما تستحيي أن تنظر في كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف ، فتقطع بأنها من صنعة آدمي عالم ، قادر ، مريد ، متكلم ، ثم تنظر إلى عجائب الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات وجهي ، بالقلم الإلهي الذي لا تدرك الأبصار ذاته ولا حركته ولا اتصاله بمحل الخط ، ثم ينفك قلبك عن جلالة صانعه ؟