الغزالي

83

إحياء علوم الدين

من صنعة النقاش وحذقه ، وخفة يده ، وتمام فطنته ، وعظم في قلبك محله ، مع أنك تعلم أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ ، والقلم ، واليد ، وبالحائط ، وبالقدرة ، وبالعلم ، وبالإرادة ، وشئ من ذلك ليس من فعل النقاش ولا خلقه ، بل هو من خلق غيره ، وإنما منتهى فعله الجمع بين الصبغ والحائط على ترتيب مخصوص ، فيكثر تعجبك منه وتستعظمه ، وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة ، فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب . ثم أخرجها منها وشكَّلها فأحسن تشكيلها ، وقدّرها فأحسن تقديرها وتصويرها ، وقسّم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ، فأحكم العظام في أرجائها ، وحسّن أشكال أعضائها ، وزيّن ظاهرها وباطنها ، ورتب عروقها وأعصابها ، وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها ، وجعلها سميعة ، بصيرة ، عالمة ، ناطقة ، وخلق لها الظهر أساسا لبدنها ، والبطن حاويا لآلات غذائها ، والرأس جامعا لحواسها ففتح العينين ورتب طبقاتها ، وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها ، ثم حماها بالأجفان لتسترها ، وتحفظها ، وتصقلها ، وتدفع الأقذاء عنها ، ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السماوات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها ، فهو ينظر إليها ثم شق أذنيه وأودعهما ماء مرّا ليحفظ سمعها ، ويدفع الهوام عنها ، وحوّطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ، ولتحس بدبيب الهوام إليها ، وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ، ويطول طريقه ، فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم . ثم رفع الأنف من وسط الوجه ، وأحسن شكله ، وفتح منخريه ، وأودع فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته ، وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء ، غذاء لقلبه ، وترويحا لحرارة باطنه وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا وترجمانا ومعربا عما في القلب ، وزين الفم بالأسنان لتكون آلة الطحن والكسر والقطع ، فأحكم أصولها ، وحدد رؤسها ، وبيض لونها ، ورتب صفوفها ، متساوية الرؤس ، متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم وخلق الشفتين وحسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه ، وليتم بها حروف الكلام ، وخلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت ، وخلق للسان قدرة للحركات