الغزالي

84

إحياء علوم الدين

والتقطيعات ، لتقطع الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ، ليتسع بها طريق النطق بكثرتها ، ثم خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق ، والسعة ، والخشونة ، والملاسة ، وصلابة الجوهر ورخاوته ، والطول ، والقصر ، حتى اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان ، بل يظهر بين كل صوتين فرقان حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة ، ثم زين الرأس بالشعر والأصداغ ، وزين الوجه باللحية والحاجبين ، وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس الشكل ، وزين العينين بالأهداب ثم خلق الأعضاء الباطنة ، وسخر كل واحد لفعل مخصوص ، فسخر المعدة لنضج الغذاء ، والكبد لإحالة الغذاء إلى الدم ، والطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد ، فالطحال يخدمها بجذب السوداء عنها ، والمرارة تخدمها بجذب الصفراء عنها ، والكلية تخدمها بجذب المائية عنها ، والمثانة تخدم الكلية بقبول الماء عنها ، ثم تخرجه في طريق الإحليل ، والعروق تخدم الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن ثم خلق اليدين وطولهما لتمتد إلى المقاصد ، وعرّض الكف ، وقسّم الأصابع الخمس ، وقسّم كل أصبع بثلاث أنامل ، ووضع الأربعة في جانب والإبهام في جانب لتدور الإبهام على الجميع ، ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق الفكر وجها آخر في وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربع ، وتفاوت الأربع في الطول وترتيبها في صف واحد لم يقدروا عليه ، إذ بهذا الترتيب صلحت اليد للقبض والإعطاء ، فإن بسطها كانت له طبقا يضع عليها ما يريد ، وإن جمعها كانت له آلة للضرب ، وإن ضمها ضما غير تمام كانت مغفرة له ، وإن بسطها وضم أصابعها كانت مجرفة له ، ثم خلق الأظفار على رؤسها زينة للأنامل ، وعمادا لها من ورائها حتى لا تنقطع ، وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل ، وليحك بها بدنه عند الحاجة . فالظفر الذي هو أخس الأعضاء لو عدمه الإنسان وظهر به حكة لكان أعجز الخلق وأضعفهم . ولم يقم أحد مقامه في حكّ بدنه . ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى طلب ، ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا بعد تعب طويل