الغزالي

66

إحياء علوم الدين

بيان مجاري الفكر اعلم أن الفكر قد يجرى في أمر يتعلق بالدين ، وقد يجرى فيما يتعلق بغير الدين . وإنما غرضنا ما يتعلق بالدين ، فلنترك القسم الآخر . ونعني بالدين المعاملة التي بين العبد وبين الرب تعالى . فجميع أفكار العبد إما أن تتعلق بالعبد وصفاته وأحواله ، وإما أن تتعلق بالمعبود وصفاته وأفعاله ، لا يمكن أن يخرج عن هذين القسمين . وما يتعلق بالعبد إما أن يكون نظرا فيما هو محبوب عند الرب تعالى أو فيما هو مكروه . ولا حاجة إلى الفكر في غير هذين القسمين . وما يتعلق بالرب تعالى إما أن يكون نظرا في ذاته وصفاته وأسمائه الحسني ، وإما أن يكون في أفعاله وملكه وملكوته ، وجميع ما في السماوات والأرض وما بينهما وينكشف لك انحصار الفكر في هذه الأقسام بمثال ، وهو أن حال السائرين إلى الله تعالى ، والمشتاقين إلى لقائه ، يضاهي حال العشاق . فلنتخذ العاشق المستهتر مثالنا فنقول : العاشق المستغرق الهم بعشقه لا يعدو فكره من أن يتعلق بمعشوقه ، أو يتعلق بنفسه : فإن تفكر في معشوقه فإما أن يتفكر في جماله وحسن صورته في ذاته ، ليتنعم بالفكر فيه وبمشاهدته ، وإما أن يتفكر في أفعاله اللطيفة الحسنة الدالة على أخلاقه وصفاته ، ليكون ذلك مضعفا للذته ومقويا لمحبته . وإن تفكر في نفسه فيكون فكره في صفاته التي تسقطه من عين محبوبه حتى يتنزه عنها ، أو في الصفات التي تقربه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها فإن تفكر في شيء خارج عن هذه الأقسام فذلك خارج عن حد العشق ، وهو نقصان فيه ، لأن العشق التام الكامل ما يستغرق العاشق ويستوفى القلب ، حتى لا يترك فيه متسعا لغيره فمحب الله تعالى ينبغي أن يكون كذلك ، فلا يعدو نظره وتفكره محبوبه . ومهما كان تفكره محصورا في هذه الأقسام الأربعة لم يكن خارجا عن مقتضى المحبة أصلا فلنبدأ بالقسم الأوّل : وهو تفكره في صفات نفسه ، وأفعال نفسه ، ليميز المحبوب منها عن المكروه ، فإن هذا الفكر هو الذي يتعلق بعلم المعاملة الذي هو المقصود بهذا الكتاب وأما القسم الآخر : فيتعلق بعلم المكاشفة . ثم كل واحد مما هو مكروه عند الله أو محبوب