الغزالي

67

إحياء علوم الدين

ينقسم إلى ظاهر كالطاعات والمعاصي ، وإلى باطن كالصفات المنجيات والمهلكات التي محلها القلب ، وذكرنا تفصيلها في ربع المهلكات والمنجيات ، والطاعات والمعاصي تنقسم إلى ما يتعلق بالأعضاء السبعة ، وإلى ما ينسب إلى جميع البدن ، كالفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين ، والسكون في المسكن الحرام . ويجب في كل واحد من المكاره التفكر في ثلاثة أمور : الأول : التفكر في أنه هل هو مكروه عند الله أم لا فرب شيء لا يظهر كونه مكروها ، بل يدرك بدقيق النظر . والثاني التفكر في أنه إن كان مكروها فما طريق الاحتراز عنه والثالث : أن هذا المكروه هل هو متصف به في الحال ، فيتركه ، أو هو متعرض له في الاستقبال فيحترز عنه ، أو قارفه فيما مضى من الأحوال فيحتاج إلى تداركه وكذلك كل واحد من المحبوبات ينقسم إلى هذه الانقسامات . فإذا جمعت هذه الأقسام زادت مجاري الفكر في هذه الأقسام على مائة ، والعبد مدفوع إلى الفكر إما في جميعها أو في أكثرها . وشرح آحاد هذه الانقسامات يطول ، ولكن انحصر هذا القسم في أربعة أنواع : الطاعات ، والمعاصي ، والصفات المهلكات ، والصفات المنجيات . فلنذكر في كل نوع مثالا ليقيس به المريد سائرها ، وينفتح له باب الفكر ، ويتسع عليه طريقه النوع الأول : المعاصي ، ينبغي أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة تفصيلا ، ثم بدنه على الجملة ، هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها ، أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم ، أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد عنها فينظر في اللسان ويقول : إنه متعرض للغيبة ، والكذب ، وتزكية النفس ، والاستهزاء بالغير ، والمماراة ، والممازحة ، والخوض فيما لا يعنى ، إلى غير ذلك من المكاره . فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ، ويتفكر في شواهد القرءان والسنة على شدة العذاب فيها ، ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث لا يشعر ، ثم يتفكر أنه كيف يحترز منه ، ويعلم أنه لا يتم له ذلك إلا بالعزلة والانفراد ، أو بأن لا يجالس إلا صالحا تقيا ينكر عليه مهما تكلم بما يكرهه الله ، وإلا فيضع حجرا في فيه إذا جالس غيره حتى يكون ذلك مذكَّرا له . فهكذا يكون الفكر في حيلة الاحتراز ويتفكر في سمعه أنه يصغى به إلى الغيبة ، والكذب ، وفضول الكلام ، وإلى اللهو