الغزالي

53

إحياء علوم الدين

وكلح الوجوه ، وبشرى بالعذاب ؟ فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء ؟ والعجب كل العجب منك يا نفس أنك مع هذا تدّعين البصيرة والفطنة . ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك ، ولا تحزنين بنقصان عمرك ، وما نفع مال يزيد وعمر ينقص ويحك يا نفس ، تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك ، وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك فكم من مستقبل يوما لا يستكمله ، وكم من مؤمل لغد لا يبلغه . فأنت تشاهدين ذلك في إخوانك ، وأقاربك ، وجيرانك ، فترين تحسرهم عند الموت ثم لا ترجعين عن جهالتك . فاحذرى أيتها النفس المسكينة يوما آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك عبدا أمره في الدنيا ونهاه حتى يسأله عن عمله ، دقيقه وجليله ، سره وعلانيته . فانظري يا نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله ، وبأي لسان تجيبين ، وأعدّى للسؤال جوابا ، وللجواب صوابا ، واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال ، وفي دار زوال لدار مقامة ، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود . اعملي قبل أن لا تعملي ، أخرجي من الدنيا اختيارا خروج الأحرار قبل أن تخرجي منها على الاضطرار ، ولا تفرحى بما يساعدك من زهرات الدنيا ، فرب مسرور مغبون ، ورب مغبون لا يشعر . فويل لمن له الويل ثم لا يشعر يضحك ويفرح ، ويلهو ويمرح ، ويأكل ويشرب ، وقد حق له في كتاب الله أنه من وقود النار . فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتبارا . وسعيك لها اضطرارا ، ورفضك لها اختيارا ، وطلبك للآخرة ابتدارا . ولا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغى الزيادة فيما بقي ، وينهى الناس ولا ينتهى ، واعلمي يا نفس أنه ليس للدين عوض ، ولا للإيمان بدل ، ولا للجسد خلف . ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر فاتّعظى يا نفس بهذه الموعظة ، واقبلى هذه النصيحة ، فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار ، وما أراك بها راضية ، ولا لهذه الموعظة واعية . فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة ، فاستعيني عليها بدوام التهجد والقيام ، فإن لم تزل فبالمواظبة على الصيام ، فإن لم تزل فبقلة المخالطة والكلام ، فإن لم تزل فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام ، فإن لم تزل فاعلمي أن الله قد طبع على قلبك وأقفل عليه ، وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه ،