الغزالي
54
إحياء علوم الدين
فوطَّنى نفسك على النار ، فقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، فكل ميسر لما خلق له . فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطى من نفسك ، والقنوط كبيرة من الكبائر نعوذ باللَّه من ذلك ، فلا سبيل لك إلى القنوط ، ولا سبيل لك إلى الرجاء مع انسداد طرق الخير عليك ، فإن ذلك اغترار وليس برجاء . فانظري الآن هل يأخذك حزن على هذه المصيبة التي ابتليت بها ، وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك ، فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة ، فقد بقي فيك موضع للرجاء ، فواظبي على النياحة والبكاء ، واستغيثي بأرحم الراحمين ، واشتكى إلى أكرم الأكرمين ، وأدمنى الاستغاثة ، ولا تملَّى طول الشكاية لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك ، فإن مصيبتك قد عظمت ، وبليتك قد تفاقمت ، وتماديك قد طال ، وقد انقطعت منك الحيل ، وراحت عنك العلل ، فلا مذهب ولا مطلب ، ولا مستغاث ولا مهرب ، ولا ملجأ ولا منجى إلا إلى مولاك ، فافزعى إليه بالتضرع ، واخشعى في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ذنوبك ، لأنه يرحم المتضرع الذليل ، ويغيث الطالب المتلهف ، ويجيب دعوة المضطر وقد أصبحت إليه اليوم مضطرة ، وإلى رحمته محتاجة ، وقد ضاقت بك السبل ، وانسدت عليك الطرق ، وانقطعت منك الحيل ، ولم تنجع فيك العظات ، ولم يكسرك التوبيخ ، فالمطلوب منه كريم ، والمسؤول جواد ، والمستغاث به برؤف ، والرحمة واسعة ، والكرم فائض ، والعفو شامل . وقولي يا أرحم الراحمين ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا حليم ، يا عظيم ، يا كريم ، أنا المذنب المصر ، أنا الجريء الذي لا أقلع ، أنا المتمادى الذي لا أستحى ، هذا مقام المتضرع المسكين ، والبائس الفقير ، والضعيف الحقير ، والهالك الغريق فعجل إغاثتى وفرجي ، وأرني آثار رحمتك ، وأذقنى برد عفوك ومغفرتك ، وارزقني قوة عصمتك يا أرحم الراحمين ، اقتداء بأبيك آدم عليه السلام ، فقد قال وهب بن منبه : لما أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض مكث لا ترقأ له دمعة ، فاطلع الله عز وجل عليه في اليوم السابع وهو محزون ، كئيب ، كظيم ، منكس رأسه ، فأوحى الله تعالى إليه يا آدم ، ما هذا الجهد الذي أرى بك ؟ قال يا رب عظمت مصيبتى ، وأحاطت بي خطيئتي ، وأخرجت من ملكوت ربي . فصرت في دار الهوان بعد الكرامة ، وفي دار الشقاء بعد السعادة ، وفي دار النصب